تنقيب مصري بالبحر الأحمر.. صراع نفوذ لمواجهة الخصوم أم تعويض التنازلات؟

تنقيب مصري بالبحر الأحمر.. صراع نفوذ لمواجهة الخصوم أم تعويض التنازلات؟

04:24 م

03-يناير-2018

للمرة الأولى، أعلن "طارق الملا" - وزير البترول والثروة المعدنية - أن مصر تعتزم طرح مزايدة عالمية للبحث عن البترول والغاز بمنطقة المياه الاقتصادية المصرية في البحر الأحمر ومنطقة جنوب مصر خلال 2018.

الإعلان المثير للجدل تضمَّن بدء التنقيب خلال العام الجاري فور الانتهاء من مشروعي تجميع البيانات الجيوفيزيقية بتلك المناطق.

الخطوة المصرية تعتبر محاولة مصرية للتواجد على خريطة الصراع الدولي والإقليمي في البحر الأحمر، بعد أيام من تخصيص السودان جزيرة "سواكن" في البحر الأحمر لتركيا من أجل تطويرها وإدارتها لمدة زمنية غير محددة.

وربما ينطوي الأمر على مواجهة النفوذ التركي والقطري المتزايد في تلك المنطقة الاستراتيجية من العالم، كتعويض عن نفوذ خسرته مصر بالتنازل عن جزيرتي "تيران" و"صنافير" للسعودية، وما أسفرت عنه اتفاقيات ترسيم الحدود مع قبرص واليونان وحرمان مصر من حقول الغاز شرق البحر المتوسط.

فإلى أي مدى يمكن لمصر أن تلعب دوراً في هذا الصراع الدائر؟ وهل يتعلّق الأمر فعلًا برغبة في التواجد على الساحة أم أن الغرض الاقتصادي هو المحرك الرئيس لتلك الخطوة؟.

لاعب في صراع النفوذ

التفسير الأول للتحرك المصري المرتقب يُشير إلى سعي حثيث من أجل التواجد على خريطة متغيرة بشأن الصراع على النفوذ الاستراتيجي في البحر الأحمر، ربما بدافع اقتصادي في المقام الأول قد يتضمّن نقلة نوعية في استغلال موارد مصر التي لم تكتشف بعد.

هذه الموارد الاقتصادية تستلزم بالتبعية قوة عسكرية لحمايتها، الأمر الذي يستوجب حضورًا عسكريًا مصريًا في تلك المنطقة المشتعلة يضمن للقاهرة حفاظًا على أمنها القومي من أخطار تراها مُحدقة بها من تلك الجهة مع تزايد النفوذ التركي والقطري فيها.

خلال الأعوام القليلة الماضية بات السباق محموماً على البحر الأحمر الذي يُعتبر ممراً لنحو 3.3 ملايين برميل من النفط يومياً، كما أنه يُشكّل المعبر الرئيس للتجارة بين دول شرق آسيا، ولا سيما الصين والهند واليابان مع أوروبا.

وتعبر مضيق باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر سنويًا 21 ألف قطعة بحرية تُمرّر من خلاله نحو 30% من نفط العالم، كما تعبر منه سنويًا 12 مليون حاوية بضائع تُشكِّل نحو 10% من حجم التجارة العالمية.

وأصبح كذلك من أهم نقاط التحكم الاستراتيجية العالمية؛ باعتباره طريقًا مختصرًا لتدفق القوة العسكرية من البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والمحيط الأطلنطي والمحيط الهندي والمحيط الهادي، وبهذه الميزات ارتبط البحر الأحمر بالمحيط الهندي وبحر العرب من الجهة الجنوبية والبحر الأبيض المتوسط من الجهة الشمالية عبر قناة السويس التي شكّلت منذ إنشائها بُعدًا استراتيجيًا؛ لأنها ربطت الدول المشاطئة له بالبحر المتوسط وأوروبا والغرب عبر أقصر الطرق وسهّلت حركة التجارة والانتقال ما بين هذه الدول وغيرها، وبالعكس.

أما البعد الآخر للقناة؛ فيتمثّل في كونها تُشكّل مع مضيق باب المندب في الجنوب معبرين استراتيجيين متلازمين مهمين كوّنا البعد الجيوستراتيجي للبحر الأحمر كطريق آمن وقصير ما بين الشرق الأقصى والخليج العربي من جهة، وأوروبا والقارة الأمريكية من جهة أخرى.

وهذا الطريق تختصر آلاف الكيلومترات أمام حركة الملاحة البحرية لنقل البضائع، والنفط والغاز بدلاً من الدوران حول القارة الأفريقية، وبذلك أصبح البحر الأحمر محطّ أنظار المخططين السياسيين والعسكريين الإقليميين والدوليين المتصارعين على الهيمنة والنفوذ في المنطقة.

ولا تكمن أهمية البحر الأحمر بذاته فقط، بل بموقعه وموارد الدول المشاطئة له، من السعودية إلى مصر واليمن والسودان، فهذه الدول تمتلك كميات ضخمة من النفط والغاز وعلى سواحلها تقوم الأنابيب والمحطات والمرافئ لتصدير هذه المواد الضرورية إلى الدول شرقًا وغربًا.

الأهمية الاستراتيجية لتلك البقعة جذبت قوى عالمية مثل أمريكا وفرنسا والصين لتوسيع نفوذها والتواجد العسكري والسياسي والاقتصادي في الجزر المُطلّة على البحر الأحمر، خاصة تلك الواقعة شرق أفريقيا وتحديدًا في جيبوتي والصومال وإريتريا.

أما الخريطة الإقليمية فتبرز فيها "إسرائيل" التي تمتلك قاعدة بحرية كبيرة في ميناء "إيلات" على البحر الأحمر، وقواعد عسكرية في إريتريا، وقاعدتين جويتين في جزيرتي "دهلك" و"حالب" قرب باب المندب.

وربما كان أحد مبررات الحرب التي شنَّها التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن مارس 2015، كان الصراع على النفوذ في البحر الأحمر بعد أن اعتبر التحالف أن سيطرة جماعة الحوثي على عدد من موانئ اليمن الغربية تقع ضمن محاولات إيران للتواجد القوي في البحر الأحمر.

كما دخلت الإمارات بشكلٍ لافتٍ على خط النفوذ في البحر الأحمر، حيث أنشأت قاعدة عسكرية في "بربرة" عاصمة ما تعرف بجمهورية أرض الصومال، وتمتلك أيضاً قاعدة عسكرية في إريتريا، كما تتقاسم مع السعودية السيطرة على عدة موانئ استراتيجية أخرى مثل "الحديدة" و"عدن"، ناهيك عن ساحل سعودي طويل على البحر الأحمر من أبرز موانئه ميناء "جدة"، والقاعدة العسكرية المرتقب إنشائها في جيبوتي.

هذه الخريطة المتشابكة دفعت مصر إلى إلزامية الظهور عليها بقوة باعتبارها مُطلّة بشكل أساسي على البحر الأحمر وتُهيمن على قناة السويس المدخل الشمالي له، في ظل توافد دولي وإقليمي لا يمُتّ للجغرافيا بصلة على توسيع النفوذ في هذه المنطقة.

مواجهة التحالف الثلاثي الجديد!

وبقدر ما يمكن أن يلعب التواجد المصري القوي في البحر الأحمر من دور في صراع النفوذ القائم، فإنه ينطوي على أمر آخر لا يقل أهمية وهو مواجهة التحالف الثلاثي الوليد بين كل من تركيا وقطر والسودان.

هذا التحالف الذي أفرزته زيارة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" للخرطوم قبل أيام، وما شهدته من اتفاقيات اقتصادية وعسكرية ضخمة أبرزها تخصيص جزيرة "سواكن" السودانية على البحر الأحمر لأنقرة من أجل إدارتها وتطويرها، فضلًا عن "بنود سرية" لم يُفصح عنها "أردوغان".

الاتفاقية جاءت بعد نحو شهر من اتفاقية مماثلة وقّعتها السودان مع قطر لإنشاء أكبر ميناء حاويات على ساحل البحر الأحمر، فضلًا عن تطوير ميناء "بوروتسودان"، وفي سبتمبر الماضي افتتحت أنقرة أكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها في الصومال.

موقع جزيرة "سواكن" القريب من مثلث "حلايب" و"شلاتين" الحدودي المتنازع عليه بين مصر والسودان يُضيف مزيدًا من التعقيد، ويفتح الباب أمام التكهنات بشأن العلاقة بين تخصيص الجزيرة السودانية لتركيا وحقيقة النزاع الحدودي مع مصر.

إذن تحالفت الدول الثلاث على قاعدة تجمعها دون تفرقة وهي الخلاف مع مصر.. تركيا توترت معها العلاقات على نحو غير مسبوق في أعقاب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013، والأمر ذاته بالنسبة لقطر فضلًا عن الأزمة الخليجية وكون مصر أحد أضلاع دول الحصار، أما السودان فتعيش ربما أسوأ مراحلها في توتر العلاقات مع مصر على خلفية أزمتي سد النهضة الإثيوبي ومثلث "حلايب" و"شلاتين" الحدودي المتنازع عليه مع القاهرة.

هذا التحالف شكَّل ما يمكن وصفه بحصار مفروض على مصر، ولعب في حديقتها الخلفية، مرتكزًا على 3 دعائم قوية: نفوذ وقوة تركية، أموال قطرية، موقع استراتيجي للسودان، يجمعها توافق سياسي شكّلت ملامحه الأزمة الخليجية وما سبّبته من تجاذبات إقليمية واسعة اقتضت تدشين هذا التحالف.

تعويض التنازلات!

وليس بعيدًا عن محاولات إثبات الذات ولعب دور في صراع النفوذ، فإن التواجد المصري المرتقب في البحر الأحمر يُحتمل أن يكون تعويضًا عن تنازلات مصرية سابقة أضرّت بالقاهرة استراتيجيًا واقتصاديًا.

في أغسطس الماضي، نشرت الجريدة الرسمية قرار السيسي التنازل عن جزيرتي "تيران" و"صنافير" للسعودية، متضمّنًا في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وسط جدل محتدم لم ينتهِ حتى الآن، مع حكم المحكمة الإدارية العليا ببطلان الاتفاقية وتبعية الجزيرتين لمصر.

الموقع الاستراتيجي للجزيرتين في البحر الأحمر عند المدخل الجنوبي لخليج العقبة، حَرَم مصر من نفوذ واسع وحوّل مضيق "تيران" إلى ممر دولي تسقط عنه السيادة المصرية، رغم ما أثبته حكم المحكمة الصادر في يناير 2017 بالوثائق والخرائط والأدلة من مصرية الجزيرتين.

وبالتالي يعتقد أن فقدان النفوذ المصري في تلك المنطقة دفع القاهرة إلى البحث عن نفوذ آخر، ربما تكون قد وجدت ضالتها نحو هذا النفوذ في الاكشتفات البترولية المرتقبة بالبحر الأحمر.

وفي نوفمبر 2014، صدَّق السيسي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص والتي وقّعها الرئيس المؤقت "عدلي منصور" في ديسمبر 2013، وتضمّنت بحسب خبراء تنازلًا مصريًا عن حقول ضخمة للغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط.

الدكتور "رمضان أبو العلا" - أستاذ هندسة البترول ونائب رئيس جامعة "فاروس" بالإسكندرية – قال: إن ترسيم الحدود الإقليمية بين مصر وقبرص، تُثبت أحقية مصر فى أكبر اكتشاف للغاز بشرق البحر الأبيض المتوسط، بحسب تقرير هيئة المساحة الأمريكية في مارس 2010.

وأوضح في تصريحات صحفية أنه تم توقيع اتفاقية بين مصر وقبرص لترسيم الحدود في 17 ديسمبر 2010، وبالفعل تم التنفيذ خلال فترة إعلان الأخيرة عن اكتشاف حقل "أفروديت"، لكنها على الجانب الآخر، وقّعت اتفاقاً مع "إسرائيل" بما يخالف عقدهما مع مصر، ما مكّن الاحتلال من اكتشاف حقل "ليفياثان"، لافتًا إلى أن قيمة ثروات الحقلين تزيد على 200 مليار دولار.

"نايل الشافعي" - المحاضر في معهد "ماساتشوستس" للتقنية - شدَّد على أن حقلي "لفياثان" و"أفروديت" أقرب لمصر، حيث يبعدان ١٩٠ كيلو متراً عن دمياط، بينما يبعدان ٢٣٥ كيلومتر من "حيفا"، أما حقل "شمشون" الذي أعلنت عنه "إسرائيل" في ٢٠١٢، فهو يبعد عن دمياط ١١٤ كيلو متراً فقط، بينما يبعد عن "حيفا" ٢٣٧ كيلو متراً"، على حد وصفه.

"الشافعي" أكّد أن مصر تنازلت في ترسيم حدودها البحرية مع اليونان عن شريط مائي مساحته ضعف دلتا النيل لليونان، بغرض منح هذا البلد منطقة اقتصادية خالصة لجزيرة "كاستلوريزو"، فيتحقق بذلك تلامس حدود اليونان مع قبرص.

وأوضح أن هذا الإجراء من جانب مصر "يسمح لليونان بتمرير أنبوب للغاز "الإسرائيلي" بين "تل أبيب" وأثينا دون أن تدفع "إسرائيل" أي رسوم لمصر".