أولاد العم.. كيف استأصل «ابن سلمان» نفوذ «أبناء عبد الله» بخطة والدهم؟

أولاد العم.. كيف استأصل «ابن سلمان» نفوذ «أبناء عبد الله» بخطة والدهم؟

03:53 م

03-يناير-2018

مفارقةٌ كاشفةٌ تلك التي دارت بين الرياض وباريس خلال اليومين الماضيين بشأن استراتيجية ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، في التعامل مع أبناء الملك الراحل "عبد الله بن عبد العزيز آل سعود"، حسبما وصفها العديد من المراقبين.

ففي الوقت الذي فوجئ فيه الإعلاميون وعموم المواطنين بظهور وزير الحرس الوطني السعودي السابق الأمير "متعب بن عبد الله" للمرة الأولى منذ اعتقاله في فندق "ريتز كارلتون – الرياض"، على خلفية اتهامه بقضايا الفساد في الحملة التي يشنّها "ابن سلمان" بشعار مكافحته، ظلّ أخوه "تركي بن عبد الله" داخل الفندق وسط تساؤلات عن مصيره وأسباب عدم الإفراج عنه حتى الآن.

وضاعف من دلالة التساؤلات خلفيتان للمفارقة، سالفة الذكر، الأولى هي أن الظهور الأول للأمير "متعب" جاء في سياق استقباله "ابن سلمان" خلال حضوره حفل سباق الخيل السنوي على كأسي ولي العهد لجياد الإنتاج والمستورد، في ميدان الملك "عبد العزيز" للفروسية، وحرصه على "تصويره" في حالة وئام وانسجام مع ولي العهد وحاكم المملكة الفعلي.

أما الخلفية الثانية فتتمثل في تواتر الأنباء عن اتجاه لاستمرار أمير الرياض السابق "تركي بن عبدالله" رهن الاعتقال؛ لاعتبارات خاصة بإصراره على استمرار الخصومة مع "ابن سلمان".

متعب وتركي

فوزير الحرس الوطني السابق هو آخر رجال "عهد الملك عبد الله" في سدة السلطة السعودية، وجاء قرار إعفائه من منصبه متأخراً لما يملكه من نفوذ، تمثل قيادته لإحدى الأذرع المسلحة أهم معالمه، كما أن الإفراج عنه تم بعد نحو شهر من اعتقاله إثر موافقته على "تسوية مالية" يدفع بموجبها مبلغاً مليارياً نظير حريته، وفق الطريقة التي اعتمدها "ابن سلمان" لجمع 100 مليار دولار، أعلن النائب العام السعودي أنها الحصيلة المستهدفة للحملة ضد الفساد.

وفي المقابل، كان الأمير "تركي" هو الحائز على ثاني أهم المناصب بين أبناء الملك الراحل، وبالتالي فهو ضمن الأرفع شأناً بين أبناء عبد الله، لكن لم يتم إطلاقه سراحه تزامناً مع قرار مماثل لـ "ابن سلمان" تجاه شقيقيه: "مشعل" و"فيصل".

بَدَا واضحاً أن السبب يعود إلى أن الأمير "تركي" مُصرّ على الانتقام لمدير مكتبه ورفيق دربه، اللواء "علي القحطاني"، الذي خرج من الـ "ريتز" جثة هامدة، ورجّح عديد المؤشرات أنه لقي مصرعه تحت التعذيب.

وسبق لـ "القصة" تناول دلالات المفارقة في ضمان فريق "ابن سلمان" "معاملة ملكية" لبعض معتقلي الـ "ريتز" وقبوله إطلاق سراحهم نظير التسوية المالية وإعلانهم الولاء لحكمه، وتبنّيه أبشع أنواع التعذيب ضد آخرين بالفندق ذاته، حسبما أوردت العديد من تقارير الصحف الغربية.

تكتيك مزدوج

أما أشقاء أمير الرياض السابق، فقد استسلموا للأمر الواقع - على الأرجح - عبر إقرارهم بالفساد أمام لجنة المكافحة، التي يرأسها "ابن سلمان" شخصياً، ودفعهم لمبالغ التسوية المالية، وظهورهم المتتالي عبر وسائل الإعلام المختلفة في مشاهد داعمة لولي العهد.

المزاوجة بين الترغيب والترهيب مثّلت تكتيكاً ثابتاً لتعامل "ابن سلمان" مع أبناء عمه الراحل، وآتت أُكلها بالفعل مع من اعتبره سابقاً أخطر تهديدات استتباب السلطة السعودية الجديدة (الأمير متعب)، لكنها لم تُجدِ نفعاً مع آخرين - حتى الآن - بينهم شقيقه الأمير "عبد العزيز".

وفي هذا السياق، أفادت تسريبات العائلة السعودية أن رئيس الديوان الملكي "خالد العيسى" قام بزيارة إلى باريس في الـ 25 من ديسمبر الماضي لإقناع "عبد العزيز بن عبد الله" بالعدول عن اللجوء إلى فرنسا والعودة للبلاد.

وكان سفر الأمير إلى فرنسا أحد ثغرات تطبيق "ابن سلمان" لخطته في استئصال نفوذ أولاد عمه، إذ أصدر قراراً بعدم سفر أي من الأمراء خارج المملكة إلا بموافقته، ليُقدّم الأمير "عبد العزيز" طلبه بالسفر إلى باريس، مستنداً إلى حالته الصحية، الأمر الذي اضطر ولي العهد للموافقة عليه، ودفع ثمنه من إحكام تطبيق كامل خطته لاحقاً، إذ استثمر الأمير "عبد العزيز" وجوده بباريس وقدَّم طلباً للجوء السياسي.

 ولم تُجدِ محاولات الترغيب والترهيب التي اتبعها "خالد العيسى" نفعاً مع سليل عائلة "عبد الله"، الذي رفض العودة إلى المملكة، بما يعني إمكانية بقائه خطراً محتملاً لسلطة "ابن سلمان".

ثغرة باريس

ويرى مراقبون أن قبول الأمير "متعب" للتسوية وظهوره الأخير بمهرجان الفروسية لا يُعبّران إلا عن مسايرة لما فرضه قهر الأمر الواقع، وإلا فإن الشواهد عديدة على أن أولاد العم يُكنُّون عداءً صريحاً لـ "ابن سلمان" وفريق الحكم الجديد بالمملكة.

ويُمثّل وجود "ثغرة باريس" واستمرار تمنُّع الأمير "تركي" في الرياض، مؤشراً على فشل إحكام تطبيق خطة الاستئصال سالفة الذكر، إذ إن هدفها هو خضوع كامل أولاد العم لسلطان "الملك المنتظر"، وهو ما لا يبدو أنه قيد التحقق، في ظل ما يملكه "لاجئ فرنسا" من وثائق ومعلومات تُمكّنه من قلب الطاولة على "ابن سلمان".

وتدلّ المؤشرات على أن الأمير "متعب" نفسه ربما يكون هو كلمة السر في هذا الفشل، إذ يُمكن الجزم بأنه على دراية بالخطوط العامة لخطة "ابن سلمان" الاستئصالية على الأقل، إن لم يكن كامل تفاصيلها.

خطة الوالد

ويعود ذلك إلى كون الخطة هي من بنات أفكار الملك الراحل "عبد الله بن عبد العزيز" أصلاً، حيث أفادت العديد من تقارير الصحف الغربية بأنه أعدها للإطاحة بالملك الحالي "سلمان بن عبد العزيز" (ولي العهد آنذاك)؛ استناداً إلى تقارير طبية تُفيد بأن "سلمان" غير مؤهل لاستلام العرش لإصابته بمرض الزهايمر.

وبحسب التقارير فإن الأمير "متعب بن عبد الله"، ورئيس الديوان الملكي السابق "خالد التويجري"، مَثَّلا عمودَي تنفيذ الخطة، حيث أعدَّا صيغة القرار للملك الراحل، الذي كان يقضي فترة من الاستجمام في "روضة خريم"، إلا أنه أرجأ التوقيع لحين عودته إلى الرياض.

لكن قدر الموت لم يُمهل الملك "عبد الله"، ليتولى "سلمان بن عبد العزيز" عرش المملكة ويبدأ حملته لتغيير بنية تراتبية توريث السلطة، عبر الاعتماد على نجله، ولي العهد الحالي، الذي لم يكن سوى مستشار حكومي في هذا الوقت.

صعد الأمير المحظوظ بسرعة الصاروخ (من 2015 إلى 2017) حتى بات حاكم السعودية الفعلي، وظل الصراع مكتوماً بينه وبين "آل عبد الله" الذين تحلّقوا حول الأمير "متعب" وحاولوا تعزيز سلطته بالحرس الوطني.

لكن ترسيخ "ابن سلمان" لسلطته بعد عامين حَسَم هذا الصراع، وأخرجه من طيّ الكتمان إلى العلن، بعدما تأكّد ولي العهد أن أركان الحرس وباقي مؤسسات الدولة لن تنحاز إلا للسلطة الحالية.

وفي المقابل، بَدَا أن الأمير "متعب" قد اتخذ بعضاً من الاحتياطات اللازمة لضمان عدم خضوعه للإقامة الجبرية على أقل تقدير، وقد مثَّل وجود شقيقه الأمير "عبد العزيز" في باريس أحد أهم هذه الاحتياطات.

خسر "متعب" المعركة داخلياً، لكن ظلّت أوراقٌ للضغط على "ابن سلمان" في حوزته، بما يعني بقاء بعضٍ من نفوذه الداخلي على الأقل مستقبلاً، الأمر الذي يحمل وجهاً آخر لتفسير صورته الشهيرة مع "ابن سلمان" في مهرجان الفروسية بعد أيام قليلة من إطلاق سراحه.

لم يكن ذلك ليحدث لولا إدراك الأمير "متعب" لأبعاد الخطة التي يستهدف "ابن سلمان" تطبيقها، ولذا يرى مراقبون ما جرى حلقةً جديدةً تُضاف إلى متوالية فشل "ابن سلمان" داخلياً وخارجياً، حتى وإن ضمن استتباب سلطته الجديدة، إذ لا قيمة لاستقرار السلطة طالما ظلّت تحت أوراق ضغط داخلية وخارجية.