استهداف محلات الخمور.. هل يطل شبح «عنف الثمانينيات» برأسه؟

استهداف محلات الخمور.. هل يطل شبح «عنف الثمانينيات» برأسه؟

03:38 ص

02-يناير-2018

في الساعات الأولى من العام الجديد 2018، تستقبل مصر حادثًا يُعدُّ هو الأندر من بين الهجمات المسلحة التي تتعرّض لها البلاد منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013.

في شارع الدكتور يحي "العمرانية" الشعبي في الجيزة، يمر "توك توك" من أمام محل خمور، يرتجل الراكب الملثم في المقعد الخلفي مطلقًا أعيرة نارية من بندقيته الآلية بشكل عشوائي على محل الخمور الكائن بالشارع، ثم يعود مكانه وينطلق به صاحبه السائق هاربًا.

فقط أُصيب الهدف صاحب محل الخمور "رؤوف. م"، بينما أودت الطلقات النارية بجاره صاحب محل قطع غيار السيارات "أشرف بولس عازر" وشقيقه "عادل".

الحادث فتح الباب على مصراعيه أمام مجموعة من 

إرهابي أم جنائي؟

ولعل التساؤل الأول الذي يتبادر إلى الذهن يتعلق بالغرض منه: هل هو حادث إرهابي أم جريمة جنائية لا خلفيات سياسية أو أمنية لها؟.

ورغم مرور أكثر من 30 ساعة كاملة حتى صباح الثلاثاء، إلا أن أجهزة الأمن التي فرضت طوقا أمنيًا وبدأت عملية الفحص والتحريات السرية وتفريغ كاميرات المراقبة، لم تُمط اللثام إلى الآن عن دوافع الحادث وتفاصيله ولم تتوصل لهوية مرتكبيه.

مصدر أمني قال في تصريحات صحفية: إن التحريات الأولية استبعدت الشبهة الجنائية، ورجّحت أن يكون الحادث إرهابيًا، مشيرًا إلى أن الجاني توقف بـ "التوك توك" أمام محل الخمور، وأطلق النيران بكثافة من سلاحه الناري دون تمييز مصيبًا كل من كان بداخله.

ثمَّة شواهد تُعضّد من رؤية المصدر الأمني، الذي عادة ما يكون أحد المسؤولين بوزارة الداخلية، أبرزها أن الجاني أطلق النار باتجاه محل الخمور لكنه لم يقتل صاحب المحل أي أنه لم يكن يستهدفه بشكل شخصي، فضلًا عن العشوائية في إطلاق النيران والتي يستبعد معها أن يكون الحادث جنائياً.

الملمح الثاني أن الضحايا الثلاثة جميعهم من الأقباط، الأمر الذي يُعزّز - بالتزامن مع احتفالات رأس السنة - شبهة الهجوم الإرهابي واستهداف الأقباط، ويُشير إلى معرفة مسبقة من قِبًل الجاني بالمحال المتواجدة في المنطقة وأصحابها.

كما يأتي الحادث بعد ساعات من الهجوم المسلح على كنيسة "مارمينا" في "حلوان"، الأمر الذي قد يؤشر على ارتباط ما بين منفذي الهجومين، وربما ليس من المعهود في الجرائم الجنائية المشابهة أن يرتدي الجاني لثامًا يُخفي به معالم وجهه.

من الفاعل؟

إذا سلّمنا جدلًا، ووفق المعطيات سالفة الذكر، بأن الحادث إرهابي فإن التساؤل التالي يبحث عن مرتكب الحادث، في ظل عدم إعلان أي تنظيم أو حركة مسلحة مسؤوليتها.

بدايةً فإن أصابع الاتهام تُشير إلى تنظيم "داعش" في مصر "ولاية سيناء"، فالبصمة الأولى التي يحملها الهجوم للتنظيم هي هدف إطلاق النار وهم الأقباط في يوم عيدهم.

فمنذ الإطاحة بمرسي تظهر على الساحة عدة تنظيمات مسلحة تستهدف الجيش والشرطة، إلا أن ولاية سيناء هو المتفرد بينها في استهداف الأقباط، وهو الثابت في العمليات التي نفذها بالعمق المصري أو في سيناء.

ففي ديسمبر 2016 وقع تفجير الكنيسة البطرسية الملاصقة للكاتدرائية المرقسية بالعباسية في القاهرة، وفي أبريل 2017 استهدف التنظيم كنيستي مارجرجس في طنطا والمرقسية بالإسكندرية، وفي مايو كان الهجوم المسلح على أتوبيس الأقباط في المنيا، وعلى مدار شهور تالية تعرّض أقباط العريش في سيناء لحملة اعتداءات وتهجير غير مسبوقة على يد عناصر التنظيم.

في الوقت نفسه فإن سجل الهجمات المسلحة للتنظيمات والحركات الأخرى مثل تلك المنضوية تحت لواء القاعدة كـ "أنصار الإسلام" و"مرابطون" و"جند الإسلام"، أو حركتي "حسم" و"لواء الثورة" يَخلو من استهداف الأقباط والمدنيين عمومًا، وينصبّ على ضباط وأفراد الجيش والشرطة.

وربما حاول ولاية سيناء في تلك العملية تعويض عدم قدرته على استهداف واسع وأكثر دموية من حادث حلوان ضد الأقباط في عيدهم، فلجأ إلى هذا الهجوم حتى تستمر مظاهر تواجده على الساحة ولو بهجوم يُعدّ متواضعًا مثل هذا مقارنة بسوابقه.

حوادث مشابهة

ربما بدأت حوادث استهداف محال الخمور قبيل الإطاحة بمرسي، ففي مايو 2013 أطلق مسلحون مجهولون الرصاص على محل لبيع الخمور والكحوليات في العريش، ما أسفر عن مصرع "رامي حماد" العامل بالمحل.

وفي يوليو 2016 أشعل مجهولون النيران بمحل لبيع الخمور بمدينة "أبو حماد"، في محافظة الشرقية؛ اعتراضًا على تجمُّع العشرات من الشباب عليه لشراء الخمور، خاصة خلال أيام العيد.

وفي يناير الماضي أقدم الشهير بـ "عادل عسلية" على ذبح المواطن "يوسف لمعي" - صاحب محل خمور - أثناء جلوسه على الرصيف أمام محله بشارع خالد بن الوليد في منطقة المنتزه بالإسكندرية.

أما في يوليو الماضي فكان الدافع الجنائي وراء إشعال صاحب محل ملابس النيران في محل خمور بمركز قويسنا في المنوفية، عقب مشادة مع صاحب المحل لخلاف حول الأسعار.

نوادي الفيديو وإرهاب الثمانينيات

اللافت أن الحوادث السابقة كانت فردية إلى حد كبير ولم تقع تحت مظلة تنظيم أو حركة مسلحة، الأمر الذي يمكن أن ينسحب على حادث العمرانية ويكون مرتكبه ذا دوافع أيديولوجية فردية دون انتمائه لتنظيم ما.

ولعل فكرة "قتل مرتكب الذنب" - كما يراها مرتكبو تلك الجرائم الذين يرون في أفعال الآخرين فسقًا ومنكرًا وجب منعه بالقوة في حينه - في حال انطباقها على حادث العمرانية تُنذر بعواقب شديدة الخطورة، ربما تُعيد مصر إلى فترة ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

فمع إطلاق العنان للإسلاميين منذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات، نمت مجموعة من الأفكار "المتطرفة" لدى تنظيمات تبنَّت ضرورة التغيير بالسلاح على قاعدة تكفير المجتمع والدولة، وتبلورت تلك الفكرة بشكلٍ جليّ في حادث اغتيال السادات الذي ارتكبه مجموعة من ضباط الجيش المعتنقين لتلك الأفكار.

ولم تكن القبضة الأمنية للرئيس الجديد حينها حسني مبارك قد أحكمت سيطرتها على الأمور حتى انتشرت تلك المجموعات في الأحياء والمناطق الشعبية خصيصًا بغية "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لكن وفق رؤيتهم ومعتقدهم الديني.

واضطلعت مجموعات شبابية مسلحة تنتمي إلى تنظيمات "الجهاد" و"التكفير والهجرة" و"الجماعة الإسلامية" بالقيام بهذا الدور؛ تطبيقًا للشرع وإنهاءً لمظاهر الانحلال في المجتمع، كما يقولون.

وفي مارس 1986 تتابعت العديد من حرائق نوادي أشرطة الفيديو في عدة أحياء بالقاهرة والجيزة والقليوبية، وقُدّم العشرات إلى المحاكمة فى قضية شهيرة عُرفت إعلاميًا في ذلك الوقت باسم "تنظيم حرائق نوادي الفيديو".

واستند هؤلاء إلى فتوى أطلقها مفتي الجماعة السماوية "عبد الله السماوي" في أحد دروسه بمنطقة عابدين في القاهرة، أفتى خلالها بحرمة مشاهدة أفلام الفيديو لما قد تتضمّنه من مشاهد غير أخلاقية، وأجاز التعامل بالقوة لإزالة وحرق نوادي الفيديو، بحسب تقارير إعلامية.

وعلى مدار السنوات التالية شهدت مصر العديد من الحوادث المماثلة في نوادي الفيديو والكازينوهات والملاهي الليلية ومحال بيع الخمور، خاصة مع ارتفاع وتيرة الهجمات الإرهابية التي استهدفت السياحة ووصلت إلى ذروتها بمذبحة الأقصر 1996.

سيناريو كارثي

محاولة الربط بين حادث العمرانية وما شهدته مصر في تلك الفترة، ربما يقود إلى سيناريو كارثي يُهدّد البلاد على نحو يفوق ما نراه اليوم من عمليات مسلحة في سيناء وغيرها مرات ومرات.

الأوضاع الاقتصادية الخانقة والانسداد السياسي وسيطرة أجهزة الأمن وما يتعرّض له الإسلاميون من قمع على يد السلطة، وغيرها من العوامل تُشكّل متضافرة أرضًا خصبة يمكن أن تنمو فيها مثل تلك المجموعات المنادية بفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة في المجتمع.

مكمن الخطورة في التهديد الذي يمثله هؤلاء لعمق المجتمع، وما يمكن أن يُسفر عن ذلك من اقتتال أهلي ومواجهات مع الشعب الذي قد يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن مصالحه بيده.

الأمر يزداد خطورة مع الاتساع الجغرافي لتلك الهجمات وصعوبة السيطرة الأمنية عليها؛ بسبب تغلغلها في الأزقّة والشوارع ووسائل المواصلات، والاستحالة العملية لحماية ما قد يراه هؤلاء أهدافًا مشروعة لهم.