أحمد صالح.. آفاق نجاح ورقة الرهان الأخيرة لتحالف (سلمان – زايد) باليمن

أحمد صالح.. آفاق نجاح ورقة الرهان الأخيرة لتحالف (سلمان – زايد) باليمن

03:46 ص

07-ديسمبر-2017

"محمد بن زايد يقدّم واجب العزاء إلى أحمد علي عبدالله صالح بوفاة والده، الرئيس اليمني السابق، خلال زيارته مقر إقامته في أبوظبي"..

هكذا ومثل مجلس العزاء أول بادرة من التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية تجاه نجل صالح، الذي كان مرشحا لوراثة والده في السلطة قبل ثورة 11 فبراير 2011 باليمن.

قبلها بثّت وسائل إعلام سعودية وإماراتية، بيانًا منسوبًا لأحمد صالح يتوعّد فيه بالثأر من الحوثيين، ما قدم مؤشرا على أن تحالف ولي العهد في الرياض، محمد بن سلمان، ونظيره في أبوظبي، محمد بن زايد، قد عقد العزم على استخدام ورقة الرهان الأخيرة باليمن، عبر دعمه.

وبإضافة أن الظهور العلني الأول لأحمد صالح خرج من منصات إعلامية إماراتية تحديدا، يمكن القول بأن الرهان وصل إلى مستوى متقدم من التنفيذ، إذ كان الرجل خاضعا للإقامة الجبرية في أبوظبي، بعدما أقاله الرئيس عبد ربه منصور هادي من تمثيل اليمن سفيرا لدى الإمارات، عقب إعلان الملك السعودي، سلمان بن عبدالعزيز، إطلاق عملية "عاصفة الحزم" العسكرية لتحرير اليمن من انقلاب الحوثيين وحليفهم (والد أحمد) عام 2015.

منسق المفاوضات

لكن دور أحمد وراء الكواليس ظل بارزا، في ظل تدهور العلاقة بين هادي والإمارات، إلى حد مطالبة الأخيرة للسعودية بالإطاحة به أكثر من مرة، وتوارد أنباء عن قبول محمد ابن سلمان لذلك، الأمر الذي يفسر حالة التهميش التي تعاملت بها وسائل الإعلام السعودية مع الرئيس اليمني "الشرعي" خلال الشهور الأخيرة.

في هذه الشهور تولى أحمد دور "المنسق" بين الإماراتيين من جانب ووالده من جانب آخر، في إطار "صفقة سرية" ينتقل بموجبها الرئيس اليمني السابق من معسكر الحوثيين إلى معسكر التحالف بضمانات إماراتية – سعودي لمستقبله السياسي، خاصة في ظل هيمنة أبوظبي على الجنوب اليمني بالكامل.

ويبدو أن دور أحمد صالح كان مرصودا بشكل كامل من جانب إيران وحلفائها الحوثيين، الذين حذروا منذ أغسطس الماضي من "خيانة وشيكة" وإعلانهم صراحة عن رصد مراسلات سرية بين صالح من جانب والإماراتيين من جانب آخر.

ربما ساهم ذلك في تريث صالح بتنفيذ مخطط "الانقلاب على الانقلاب" في اليمن، لكن تطورات الأوضاع الإقليمية، وفشل محاولة التصعيد السعودية في لبنان، عبر إجبار رئيس الوزراء، سعد الحريري، على إعلان استقالته من الرياض (طالع تحليل القصة بشأنه)، إضافة إلى حالة العجز العسكري للتحاف داخل الأراضي اليمنية.. كلها عوامل دفعت "الأمير المتهور"، كما وصفته مجلة لوبوان الفرنسية، إلى الوصول بمغامراته الإقليمية إلى الذروة، ودعم تنفيذ المخطط، الذي يبدو أنه لم يكن معدا بشكل جيد.

 

تكتيك أردوغاني

وإزاء ذلك، اتبع الحوثيون تكتيكا شبيها بذلك الذي اتبعه أردوغان في مواجهة محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، مع فارق التشبيه بالطبع، فتركوا الساحة في الساعات الأولى لتأكيد نية صالح عمليا في الانقلاب عليهم، ومن ثم أجهزوا عليه وقتلوه مع رفقائه (طالع تحليل القصة).

وبعد خيبة مغامرة ابن سلمان مجددا، انتقلت أنظار المراقبين فورا إلى نجل صالح، باعتباره ورقة الرهان الميدانية الأخيرة للتحالف السعودي – الإماراتي، ليس فقط باعتباره "الوريث" الذي قطعت الثورة اليمنية انتقال السلطة إليه من والده، بل لكونه قائدا لقوات الحرس الجمهوري حتى عام 2012، وهي أحدى التشكيلات العسكرية التي أثبتت ولاءا كبيرا لوالده، ولها من الخبرة الميدانية الكثير داخل اليمن، خاصة فيما يتعلق بالوضع العسكري للحوثيين على الأرض.

لكن معطيات خمسة تشي بأن خلافة أحمد لقيادة والده ميدانيا لن تكون بالسهولة المتصورة، نوردها فيما يلي:

أولا: القاعدة الشعبية:

صحيح أن أحمد هو نجل صالح، لكنه لا يملك القاعدة الشعبية التي امتلكها والده، خاصة بين فئة الشباب، الذين قادوا الثورة بعناوين عدة، بينهما "منع توريثه السلطة".

وللتمثيل، مع فارق التشبيه، يمكن القول بأن وضع أحمد صالح يقارب وضع نظيره المصري، جمال مبارك، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من خلافة والده، ما يعني أن افتراض استمرار قاعدة الدعم الشعبية التي امتلكها الرئيس اليمني السابق مؤازرة لنجله ليس دقيقا بالضرورة.

غير أن كون أحمد صالح هو ورقة الرهان الأخيرة للتحالف السعودي الإماراتي دفع "بعض" القبائل اليمنية للسعي إلى دعمه لخلافة والده في قيادة المعركة ضد الحوثيين، حسبما ذكرت صحيفة الإيكونوميست البريطانية.

ثانيا: الخبرة الميدانية:

يمكن الجزم بأن أحمد صالح لا يملك حاليا الخبرة الميدانية التي امتكلها والده خلال السنوات الثلاثة الماضية، وهي فترة تولي تحالف (الحوثي – صالح) مقاليد السلطة في صنعاء.

فالشاب الذي قاد الحرس الجمهوري توقفت خبرته عند العام 2012، وانتقل بعدها خارج اليمن، وصولا إلى إقامته في أبوظبي، وخضوعه للإقامة الجبرية بها، قبل رفعها عنه بعد مقتل والده.

هذا يعني أن كل تفاصيل الخبرة الميدانية الخاصة بتشكيلات الحوثيين العسكرية وانتشارها وقدراتها، وغيرها من المعلومات، لا يمكلها أحمد صالح على الأرجح، ما يعني أن قيادته المحتملة للصراع مع الحوثيين ستحتاج إلى دعم "قيادة وسيطة" مدعومة سياسيا وقبليا داخل صنعاء، وهو ما يصعب توقع حودثه في ظل سيطرة الحديد والنار التي أبداها الحوثيين بعد قتلهم للرئيس اليمني السابق.

وبإضافة أن الخبرة الميدانية الواسعة لصالح نفسه لم تصمد أمام دهاء الحوثيين، حيث نصبوا الفخ له كي يثبت تورطه في محاولة الانقلاب عليهم، ومن ثم أعادوا سيطرتهم من جديد وقتلوه، يمكن القول بأن مهمة أحمد صالح على هذا الصعيد ستكون صعبة للغاية.

ثالثا: القيادة العسكرية:

سيحتاج أحمد صالح في معركته لهيكل قيادة عسكرية مدعومة من شبكة الخبرة الميدانية، سالفة الذكر، وهو ما سيعاني في الحصول عليه فيما يبدو، خاصة في ظل وقوع الكثير من رفقاء الحرس الجمهوري وأنصار والده بين قتيل ومعتقل لدى الحوثيين.

فجميع أشقاء أحمد الصغار، الذين درسوا العلوم العسكرية أيضًا، في قبضة الحوثيين حاليا، كما أن أبناء عمومته (طارق وعمار ومحمد محمد عبد الله صالح) تعرضوا للقتل والاعتقال خلال المعركة الأخيرة في صنعاء.

أما "صلاح"، شقيق أحمد، فلا يبدو صاحب تمكن من هذا الملف، وذلك باستقراء ردود أفعاله عقب مقتل والده، والتي غلب عليها الطابع الشعوبي والعاطفي، واكتفائه بالدعوة إلى الثأر.

كما لا يبدو صالح ذي حنكة سياسية مقاربة لأخيه، إذ دعا، عبر حسابه على فيس بوك، السلطات الإماراتية إلى ترك شقيقه (أحمد) وشأنه، من أجل العودة إلى اليمن والسيطرة على صنعاء بعد طرد "ميليشيات إيران منها"، الأمر مثل اعترافا علنيا بإقامة أخيه الجبرية في أبوظبي، وهو ما لم يكن معلنا بشكل رسمي.

رابعا: انقسام المؤتمر:

بعد مقتل صالح، باتت قيادة حزب المؤتمر الشعبي العام في مأزق، خاصة مع حالة السيطرة غير المسبوقة، التي أبداها الحوثيون في صنعاء، تزامنا مع تصفية العديد من قيادات الحزب برفقة الرئيس اليمني السابق.

وينقسم قيادات الحزب حاليا بين داع إلى الثأر دون خارطة طريق واضحة، وبين ناج بنفسه يقدم فروض الولاء والطاعة و"الاعتذار" للحوثيين عن محاولة الانقلاب عليهم، أو منضم إلى شطر الحزب الثاني، المؤيد لشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي.

هذا يعني أن أي محاولة لقيادة أحمد صالح للمعركة مع الحوثيين لن تحظى بكامل الدعم المؤتمري الذي حظي به أبيه، وهو ما ينطبق على دعم القبائل اليمنية أيضا.

ولذا سيكون لزاما على أحمد صالح "إعادة هيكلة" ما تبقى من قيادات حزب المؤتمر بعد ما جرى، ليمثلوا الظهير السياسي لتحركاته الميدانية على الأرض.

خامسا: شرعية هادي:

منذ إقالته من تمثيل اليمن سفيرا لها بدولة الإمارات عام 2015، يمكن الجزم بأن أحمد صالح كان مناهضا لشرعية الرئيس هادي، تبعا لموقف والده، ومن هنا جاء الموقف الإماراتي المتأرجح بين فرض الإقامة الجبرية عليه لاحقا، من جانب، وبين دعم الاعتماد عليه كوسيط في التفاوض مع والده، من جانب آخر.

فالإماراتيون لا يرغبون في استمرار هادي، وتشوب العلاقة بينهما توترا كبيرا، في ظل اشتراط أبوظبي لإقصاء حزب التجمع اليمني للإصلاح (المحسوب على تيار الإخوان المسلمين) من شبكة القوى المنضوية تحت لوائه، وهو ما يراه هادي فقدانا لواحدة من أهم قواعد دعمه الشعبية، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.

لكن موقف أحمد صالح من شرعية هادي بعد مقتل والده لا يبدو صريحا حتى الآن، خاصة في ظل انسحاب جزء من شطر حزب المؤتمر، المؤيد لوالده، لصالح دعم هادي مستقبلا.

وفي هذا السياق، ثمة مؤشرات سلبية على صعيد قبول نجل صالح للانضواء تحت لواء هادي، إذ ذكرت  مصادر إعلامية ومواقع إخبارية السعودية أن أحمد وصول إلى الرياض، بعد ساعات من مقتل والده، وعقب رفع الإمارات الإقامة الجبرية عنه، ليخرج بعدها عائدا إلى أبوظبي.

ولم يظهر أحمد صالح مجددا إلا في لقاء العزاء مع محمد بن زايد، وخلال هذه الساعات وجه رئيس الوزراء اليمني، أحمد عبيد بن دغر، رسالة إليه دعاه فيها إلى "الوحدة" تحت لواء "الشرعية" التي يمثلها الرئيس هادي، محاولا استمالته بوصف صالح بالشهيد البطل الذي مات مؤمنا "بعد أن أدرك الخطر الذي يتربص باليمن وهويتها".

لم يرد أحمد صالح على الرسالة، ولم يعلن قبوله لشرعية هادي بشكل صريح، ليأتي أول ظهور علني له مع ابن زايد مرجحا لقيادته المعركة ضد الحوثيين بخلفية إماراتية بحتة على الأرجح.

هذا يعني أن ساحة الصراع الميداني في اليمن ستكون إماراتية خالصة، يقتصر الدور السعودي فيها على تقديم الدعم والإسناد، في ظل إصرار أبوظبي على تهميش هادي، وهيمنتها الفعلية على مقاليد الأمور بالجنوب اليمني.

فهل ينجح التخطيط الإماراتي والدعم السعودي لورقة الرهان الأخيرة في الصراع مع الحوثيين باليمن؟ الأيام القادمة حبلى بالإجابة.