من الكونفيدرالية إلى لجنةٍ ثنائية.. هل قضى تحالف (سلمان – زايد) على حلم التعاون الخليجي؟

من الكونفيدرالية إلى لجنةٍ ثنائية.. هل قضى تحالف (سلمان – زايد) على حلم التعاون الخليجي؟

02:54 ص

06-ديسمبر-2017

لماذا أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة تشكيل لجنةٍ اقتصاديةٍ -عسكريةٍ مع السعودية في هذا التوقيت تحديدًا، وبشكلٍ منفصلٍ عن مجلس التعاون الخليجي؟ وما هي دلالة اقتصار اللجنة على الدولتين فقط دون باقي دول المجلس إذا كان المقصود هو استمرار مقاطعة قطر؟ وإلى أي مدى يمكن القول بأن خطوةً كهذه تُمثِّل مزيدًا من تقويض دور المجلس في المستقبل؟

هذه الأسئلة وغيرها باتت حديث الساعة بعدما أوردت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية (وام) خبر إنشاء اللجنة، واصفةً إياه بأنه يأتي في "في إطار شراكةٍ جديدةٍ مع السعودية".

وبحسب نص القرار الإماراتي، فإن اللجنة تختص بالتعاون والتنسيق المشترك بين أبو ظبي والرياض في كافة المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، وهي ذات المجالات محل التنسيق بين الدول الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي.

القراءة الأوّلية لدى العديد من المراقبين فسرت الأمر باعتباره خطوةً جديدةً على طريق تشديد الحصار ضد قطر، وعزلها عن منظومة العمل الخليجي المشترك، خاصةً مع تزامن إنشاء اللجنة وموعد القمة الخليجية بالكويت.

ويرى المحللون، ممن يتبنون هذه القراءة، أن الخطة الإماراتية - السعودية تسير باتجاه تحويل مجلس التعاون الخليجي إلى كيانٍ غير فاعل ومفرغٍ من مضمونه، وبذلك تكون المشاركة القطرية به هي والعدم سواء.

توقيتٌ دال

لكن هذه القراءة تفتقر إلى دقة الوصول من المقدمات إلى النتائج، فيما نرى، إذ لو كانت قطر وحدها هي المستهدفة لضمت اللجنة كلًا من الكويت وسلطنة عمان أيضًا، وهو ما لم يحدث.

بل إن البحرين، التي يُعدُّها العديد من المراقبين حاليًا مجرَّد دويلةٍ تابعةٍ بشكلٍ مطلق للسياسة الخارجية السعودية، ليست عضوًا في اللجنة التي أعلنت عنها الإمارات، ما يعني أن دوافع التنسيق بين الرياض وأبو ظبي هذه المرة تتجاوز الملف القطري.

تقودنا هذه المقاربة إلى البحث عن إجابةٍ أخرى على الأسئلة التي تصدَّرت التقرير، ولعل "توقيت" الإعلان عن إنشاء اللجنة بالتزامن مع "قمة الكويت" يمثل مفتاحًا للوصول إليها.

فجميع المعطيات تُؤكِّد أن الثلاثي الخليجي: السعودية والإمارات والبحرين، رغب في إقصاء قطر عن المشاركة في القمة، الأمر الذي لم تستجب له الكويت، وقررت توجيه الدعوة إلى جميع الدول الأعضاء بالمجلس، باعتبار كونها "وسيطًا" في الأزمة الخليجية، وغير منوطٍ بها الانحياز لأحد طرفيها على حساب الآخر.

انتقاد الكويت

لكن المنطق الإماراتي تحديدًا يتبنَّى مقولة "جورج بوش" الابن الشهيرة: "من ليس معنا فهو ضدنا"، ولذا لم تخلُ الصحف الإماراتية والسعودية من انتقاداتٍ صريحةٍ لموقف الكويت من مقاطعة قطر.

وفي هذا الإطار، انتقد الكاتب السعودي بصحيفة "الجزيرة"، "محمد آل الشيخ"، الكويت على خلفية الأزمة مع قطر، مغردًا: "موقف المملكة المنقذ للكويت من براثن صدام يجب أن نرى ثمنه موقفًا مساندًا لنا في موقفنا المناهض للإرهاب وتقليم أظافر قطر".

ومعلومٌ بالضرورة أن مقالات الرأي لا تُعبِّر عن توجهات أصحابها فقط في الصحافة السعودية، إذ تمرُّ جميع الصحف على إقرار الرقيب أولًا، بما يعني أن الهجوم على الكويت ليس شخصيًا، ويُعبِّر عن علاقة التحالف الاستراتيجي بين ولي عهد المملكة، "محمد بن سلمان"، من جانب، ونظيره في أبو ظبي، "محمد بن زايد" من جانبٍ آخر.

في هذا الإطار يمكن قراءة الهجوم العنيف للكاتب والأكاديمي السعودي، "أحمد الفراج"، مُعتبرًا أن موقف الكويت الحيادي مع قطر "كما لو أن السعودية دافعت عن "صدام حسين" في غزوه للكويت عام 1990" حسب قوله.

هذا التذكير (أو المَنّ) بالدفاع السعودي السابق عن الأراضي الكويتية، هو ذاته ما يراه المراقبون منطلقًا لسياسة دولة البحرين، حيث باتت المنامة مُقتفيةً لأثر الرياض في كل سياساتها الخارجية، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وتحديدًا منذ وَأدِ قوات "درع الجزيرة" للانتفاضة الشيعية التي كادت أن تطيح بنظام "حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة".

صراعٌ مكتوم

هذا عن الكويت، فماذا عن عُمَان؟ إجابة السؤال تعود بنا إلى تاريخٍ من الصراع المكتوم بين مسقط وأبو ظبي، ففي عام 2015 أبدت سلطنة عُمَان قلقها من عمليات شراءٍ "غير مسبوقة" يقوم بها "محمد بن زايد" لأراضٍ وولاءاتٍ قبلية شمالي السلطنة، على الحدود مع الإمارات، تزامنت مع تواتر الاخبار بشأن مرض السلطان "قابوس" والحديث عمن يخلُفه في الحكم.

وسبق ذلك كَشفُ التليفزيون العُمَاني عن نجاح قوات أمن السلطة في الإطاحة بـ"شبكة تجسس" تابعةٍ لجهاز أمن الدولة الإماراتي تستهدف نظام الحكم في عُمَان وآلية العمل الحكومي والعسكري فيها.

وذكر التلفزيون العُمَاني أنه سيتم إحالة المتورطين في هذه الخلية إلى المحاكمة بحسب الإجراءات المتبعة، لكن "صفقةً" بين الطرفين أنهت القضية في حينها، ولم تنشر سلطنة عُمَان مزيدًا من التفاصيل عنها.

وتشير التسريبات إلى أن "محمد بن زايد" اتصل على الفور بالسلطان "قابوس" وطلب منه وقف نشر أية معلوماتٍ بشأن الخليَّة التي تبين بأنها تتبع ولي عهد أبو ظبي شخصيًا، إلا أن السلطان "قابوس" الغاضب من أبو ظبي ومن أبناء الشيخ "زايد" رفض التكتُّم على الملف، فصدر بيانٌ رسمي بثته وكالة الأنباء العُمَانية والتليفزيون الرسمي.

وفور بدء السلطنة بنشر المعلومات اتصل الشيخ "محمد بن زايد"، وشقيقه الأكبر، الشيخ "خليفة"، رئيس دولة الامارات، بأمير الكويت، الشيخ "صباح الأحمد الجابر الصباح"، لوقف تدهور العلاقات بين البلدَين الجارَين، ليطير أمير الكويت على الفور إلى مسقط، ويلتقي السلطان "قابوس" في اليوم التالي لبثِّ بيان التليفزيون العُمَاني، (يناير 2011).

وافق السلطان "قابوس" على عدم نشر اسم الشيخ "محمد بن زايد" وعدم الاستمرار في كشف الحقائق المتعلقة بالخليَّة مقابل شرطَين، الأول: أن يترأَّس "محمد بن زايد" وفدًا رفيع المستوى لتقديم الاعتذار بين يدي السلطان، أما الشرط الثاني فهو دفع مبلغ 20 مليار درهم إماراتي لحساب "قابوس"، واستثمار 20 ملياراً أخرى في السلطنة.

ونفَّذ الشيخ "محمد بن زايد" الشروط التي أملاها عليه السلطان "قابوس"، فحلَّ ضيفًا على سلطنة عُمَان بعد 5 شهورٍ فقط على ضبط خلية التجسس، وتحديدًا يوم 6 يوليو 2011 حيث التقى السلطان وقدَّم له الاعتذار على التآمر على بلاده ومحاولة العبث بأمنها.

صحيحٌ أن صفقةً أوقفت "فضيحة" سياسية وإعلامية، لكنها كشفت عن استحالة عودة العلاقات الإماراتية العُمَانية إلى سابق عهدها بأي مقياس لـ"الثقة".

تَمنُّع مسقط

في هذا الإطار، يمكن قراءة قيام "عبد الله بن زايد"، بعد تعيينه وزيرًا للدفاع في الإمارات، بعزل منتسبي الجيش من أصول عُمَانية، تمامًا كما يمكن قراءة التخوف الإماراتي بشأن شراء الأراضي، سالف الذكر، إضافةً إلى توسيع مسقط لعلاقاتها الاقتصادية مع طهران ورفضها القاطع لفكرة الاتحاد الكونفيدرالي الخليجي، التي طرحها الملك السعودي الراحل، "عبد الله بن عبدالعزيز"، بتأييدٍ إماراتي.

وفي هذا السياق أيضًا، تبدو خطوات السفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة، "يوسف العتيبة"، مخططة لشن حملة ضد عُمَان، وهو ما كشفه المغرِّد الشهير "مجتهد الإمارات"، مؤكدًا أن هذه الحملة ترتكز على اتهام مسقط بدعم الحوثيين في اليمن.

وأشار المغرِّد المعارض للنظام الإماراتي إلى أن أكثر من 3000 حساب إليكتروني تهاجم سلطنة عُمَان يتم إدارتها من أبو ظبي.

وغنيٌ عن البيان الدور المحوري الذي يقوم به "العتيبة" في قيادة اللوبي الإماراتي، ومن خلفه السعودي، بالولايات المتحدة، لصالح أجندة سياساتٍ باتجاه التحالف مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في إطار حلفٍ إقليميٍ ضد إيران.

استبدالٌ تدريجي

القضية ليست قطر ولا حتى الكويت إذن، بل إن سلطنة عُمَان أيضًا ضمن منظومة "الدول الخليجية المارقة" بحسب التصنيف الإماراتي، الذي التحقت به السعودية بعد صعود "محمد بن سلمان" إلى رأس سلطتها.

وبناءً على هذا التصنيف، فإن منظومة مجلس التعاون الخليجي باتت منقسمةً إلى شطرين، الأول يضم الرياض وأبو ظبي، وتتبعهما المنامة، والثاني يضم الدوحة والكويت ومسقط.

ومن هنا فإن إنشاء اللجنة الإماراتية – السعودية يبدو جزءًا من عملية "استبدالٍ تدريجي" لمنظومة مجلس التعاون الخليجي برمَّتها، دون أن تُضمَّ البحرين، باعتبارها ليست طرفًا في صناعة أي قرارٍ خليجي أو إقليمي.

ويعزز من هذه القراءة إعلان صحيفة "عكاظ" السعودية، المُعبِّرة عن توجهات العهد الجديد في المملكة، بزعامة "محمد بن سلمان"، عن غياب كلٍ من الملك "سلمان بن عبد العزيز" و"محمد بن زايد" عن حضور قمة الكويت، واكتفاء كلٍ منهما بتمثيلٍ دبلوماسيٍ منخفض، على مستوى وزير الخارجية السعودي (عادل الجبير)، ووزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي (أنور قرقاش).

هذا يعني أن تقويضًا حقيقيًا يواجه دور مجلس التعاون في المستقبل مالم يتخلَّ حلف "بن سلمان" – "بن زايد" عن انحيازه، الأمر الذي لا يبدو مُرجَّحًا على المدى المنظور.