برميل بارود.. تُصرُّ إسرائيل على إشعاله في القدس منذ سنوات

برميل بارود.. تُصرُّ إسرائيل على إشعاله في القدس منذ سنوات

01:25 ص

06-ديسمبر-2017

بينما كان نصف العالم العربي يلهو ونصفه الآخر غارقًا في دمائه -كعادة المنطقة المصابة بالفصام منذ أبد الآبدين وربما حتى يوم يقوم الناس لربِّ العالمين- كان رئيس بلدية القدس "نير بركات"، ونائبه "مئير ترجمان"، مشغولَيْن بالتواصل مع الأطراف الأمريكية للعثور على موقعٍ مناسبٍ لبناء سفارة الولايات المتحدة في القدس، بعد تعهُّد الرئيس "دونالد ترامب" في حملته الانتخابية بنقل سفارة بلاده من تل أبيب.

لكن المسؤولين عن التخطيط في المدينة المحتلة ينفون الحاجة إلى بناء أي منشآتٍ جديدة لتكون مقرًا لسفارة الولايات المتحدة؛ لأن الأمريكيين كانوا قد بنوا بالفعل قنصليةً كبيرةً جديدة في حي أرنونا بالقدس، وكان مخططًا في السابق أن تتحوَّل إلى سفارةٍ يومًا ما.

وبالتالي فإن كل ما يحتاج الأمريكيون إلى فعله هو: تغيير اللافتة الموضوعة فوق الباب.

بذور الفكرة

نشأت فكرة إسكان المبعوث الأمريكي إلى إسرائيل في مبنى جديد في القدس خلال فترة تولي "جورج شولتز" منصب وزير الخارجية في إدارة الرئيس الأمريكي "رونالد ريجان"، وكان "شولتز" قد قام بزيارةٍ قصيرةٍ لإسرائيل في أواخر ثمانينات القرن الماضي.

وحدَّد موظفو القنصلية بعض الاحتمالات، أحدها عند تقاطع شارعي الخليل ويانوفسكي، وهو الموقع الذي خصصته إدارة الأراضي الإسرائيلية لاحقًا للسفارة.

بل وقَّعت إسرائيل وواشنطن اتفاقًا يقضي بتقييد ارتفاع المباني حول هذه القطعة إلى 300 متر؛ لتلبية الاحتياجات الأمنية المستقبلية، حسب تقرير "نير حسون" في هآرتس.

حدث ذلك كله بينما كان نصف العالم العربي يلهو ونصفه الآخر غارقًا في دمائه كالعادة.

تخطيطٌ أمريكي

لكن في عام 2002، اشترى الأمريكيون بقعةً مختلفةً تمامًا، لكنها قريبةٌ جدًا، تقع بين شارع أرنونا وفندق دبلومات، في منطقةٍ كانت محرمةً بين إسرائيل والأردن من 1948 إلى 1967، وهو المكان الذي أقيمت فيه القنصلية عام 2010.

بنيت القنصلية، التي خطَّطها مهندسون معماريون أمريكيون، على مساحة 19.500 متر مربع، استنادًا إلى المخططات المُقدَّمة لسلطات التخطيط الإسرائيلية.

ويقول المهندسون المعماريون: حتى لو كانت معظم هذه المساحة مستخدمة كمرآب للسيارات وما شابه ذلك، إلا أن المبنى كبير، ولا تختلف مساحته كثيرًا عن السفارة الأمريكية الحالية في تل أبيب.

وعلاوةً على ذلك، سيستمر مكتبان قنصليان قديمان في العمل، أحدهما على طريق نابلس في القدس الشرقية (ويمثل أيضا الولايات المتحدة في الضفة الغربية) والآخر في شارع أجرون.

مفارقةٌ إسرائيلية

لكن بموازاة ذلك كله، يلفت نائب رئيس بلدية القدس، "عوفير بيركوفيتش"، إلى مفارقةٍ أخرى قائلا: بينما يعتزم "دونالد ترامب" نقل السفارة إلى القدس، فإن الحكومة الإسرائيلية نفسها تشغل 75 وحدة حكومية خارج العاصمة (المحتلة)، في انتهاكٍ لقانونها الأساسي الخاص بالقدس.

وحتى تعزف الخطوة الأمريكية المقترحة والمنشآت الحكومية الإسرائيلية اللحن ذاته، دعا "بيركوفيتش" رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتانياهو" ووزير المالية إلى نقل جميع الوزارات فورًا إلى القدس "قبل فوات الأوان".

صكٌ تشريعي ورئاسيّ

كانت إسرائيل كلما خاضت حربًا مع العرب استولت على جزءٍ من القدس؛ فاستولت على القدس الغربية في أعقاب حرب 1948، ثم القدس الشرقية في حرب العام 1967، لكنها لم تستطع انتزاع اعترافٍ دولي بما فرضته واقعًا بالسلاح على الأرض.

لكن مجلس الشيوخ الأمريكي تبنَّى قرارًا عام 1995 يعترف بمدينة القدس "عاصمة دولة إسرائيل ولا يجب تقسيمها"، لولا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة أجَّلت تطبيق القرار خوفًا على مصالح الأمن القومي الأمريكي، وهو النهج الذي يُخالفه "ترامب" الآن.

وبعدما باءت المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشأن القدس طيلة 25 عامًا بالفشل، هاهو "ترامب" ينبري ليُرسِّخ الأمر الإسرائيلي الواقع بحكم السلاح ويمنحه صكّ مرورٍ رئاسي أمريكي بعد الصك التشريعي الذي منحه مجلس الشيوخ قبل أكثر من عشرين عامًا.

تأهّبٌ أمني

من جانبها تتأهَّب المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية لاحتمال اندلاع موجة عنفٍ فلسطينيةٍ في القدس عقب تنفيذ "ترامب" وعده، حسبما رصده "أليكس فيشمان" في صحيفة "يديعوت أحرونوت".

وترى مؤسسة الدفاع الإسرائيلية أن الإعلان الأمريكي سيُغيِّر الوضع الراهن في القدس، وبالتالي تخشى أن حماس ستعتبره سببًا وجيهًا لإشعال التوتر في الشارع الفلسطيني، وتحويل فعاليات إحياء الذكرى الثلاثين لانطلاق الحركة إلى أيام غضبٍ وسلسلةٍ من الهجمات.

برميل بارود

ورغم أن استغراب العالم العربي من نقل السفارة الأمريكية للقدس الآن هو المثير للاستغراب حقًا، أو على الأقل متأخرٌ جدًا، نظرًا لما سبق تفصيله آنفًا، إلا أن القدس بالفعل تشبه برميل البارود، وأصغر خطوةٍ خاطئةٍ هناك يمكن أن تشعل حربًا دينية، ولن يصل الصراع العربي - الإسرائيلي إلى شاطئ الحل إلا بعد حل مسألة القدس. 

هذا ما يُدركه الإسرائيليون أنفسهم، وأكَّده "ديفيد جرين" في صحيفة "هآرتس"، بل يُدشِّن القرار لتحولٍ في السياسة الأمريكية المنتهجة منذ أمدٍ بعيدٍ في التعامل مع الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وتتوقَّع هيئة الإذاعة البريطانية أن يُحدِث ارتباكًا في حسابات القوى العالمية.