هل تنجح مصر في إنقاذ المصالحة الفلسطينية؟

هل تنجح مصر في إنقاذ المصالحة الفلسطينية؟

03:05 ص

05-ديسمبر-2017

لم يمض بعد شهران على اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، إلا وبات هذا الاتفاق الهش الموقع بالقاهرة على المحك.

مصر راعية الاتفاق استشعرت الخطر، فاستدعت الطرفين إلى اجتماع عاجل بقيادة جهاز المخابرات العامة، انتهى إلى التأكيد على المضي قدمًا في تنفيذ الاتفاق، وإزالة الخلافات الأخيرة المتعلقة بتمكين حكومة الوفاق من إدارة قطاع غزة.

في المقابل تم التوافق، بحسب تقارير إعلامية، على ضرورة رفع العقوبات، وحل ملف الموظفين المحالين للتقاعد والمفصولين وأزمة الرواتب المتأخرة، وفق قرارات اللجنة الادارية والقانونية.

اللقاء الذي رأسه عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ويحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة، تزامن مع تواجد وفد أمني مصري رفيع المستوى في القطاع منذ الاثنين الماضي، بينما أرجأ الجانبان إتمام عملية تسلم حكومة الوفاق كامل المسؤولية في القطاع من 1 إلى 10 ديسمبر الجاري.

تراشق إعلامي ومنغصات

هذه الانفراجة تأتي في خضم تراشق إعلامي واتهامات متبادلة نسب فيها كل طرف للآخر التسبب في انهيار المصالحة وعدم تنفيذ الاتفاق.

حركة حماس، قالت في بيان لها إن حكومة الحمد الله (رئيس الحكومة المنتمي لحركة فتح) "تسلمت كل مسؤولياتها في الوزارات بشكل كامل في غزة، ومع ذلك لم تبذل أي جهد للتخفيف عن القطاع، بل استمرت في فرض العقوبات الظالمة على أهلنا".

البيان اتهم الحكومة بالفشل في مسار إنهاء الانقسام وتطبيق الاتفاقات المعقودة في القاهرة.

والمقصود بالعقوبات امتناع السلطة الفلسطينية عن تسديد فاتورة الكهرباء الخاصة بالقطاع، وإحالة آلاف الموظفين في غزة إلى التقاعد وتقليص 30% من رواتب الموظفين العاملين.

في المقابل، وصفت حكومة الوفاق تصريحات حماس بأنها "غير مسؤولة ومتناقضة مع المسؤولية الوطنية، وفيها الكثير من التضليل والتنصل من المسؤولية"، وأنها "تنسف جميع الجهود الرامية لإنهاء الانقسام".

المتحدث باسم حركة فتح "أسامة القواسمي" أشار إلى أن المشكلة الأساسية هي "عدم تمكين حكومة الوفاق من العمل في غزة على جميع المستويات الإدارية والمالية والأمنية".

وقبل اللقاء الإيجابي الأخير، شهدت القاهرة عدة لقاءات مكوكية بين مسؤولي ملف المصالحة في الحركتين، وصفت مصادر فلسطينية أجواء أحدها في الثلث الأخير من نوفمبر الماضي بأنها "غير إيجابية".

المصادر أشارت في تصريحات صحفية، إلى أن وفد حركة فتح أصر على قَصْر الحوار على مناقشة ملف الأمن وسيطرة الحكومة على قطاع غزة كاملاً، وتقويم ما تم إنجازه حتى الآن.

في المقابل رفض وفد حماس تغيير أجندة الحوار وأصر على مناقشة ملفات منظمة التحرير والحكومة والانتخابات والمصالحة المجتمعية والحريات العامة.

هذا الاختلاف كانت له مرجعيات أو مقدمات ربما أدت للنتيجة الحالية، فحماس توجهت للحوار ولديها 3 خطوط حمراء، أولها رفض نزع سلاح المقاومة أو تسليمه، وثانيها عدم تسليم الأمن قبل أن يتم دمج 42 ألف موظف عينتهم بعد الانقسام، ودفع رواتبهم.

كما توجهت فتح، وفق المصادر، بضغوط تمارسها عليها الإدارة الأمريكية وإسرائيل لمنع دمج موظفي حماس الأمنيين، وعدم دفع رواتب موظفيها المدنيين، حيث توعد الاحتلال باستهداف أجهزة السلطة الأمنية في حال ضمت أي عنصر من حماس أو فصائل المقاومة، وعدم دفع أموال المقاصة المستحقة للسلطة في حال دمجت موظفي حماس المدنيين.

فتش عن «ابن سلمان»!

ثمة متغير شاب اتفاق المصالحة جدير بالتوقف أمامه، فعلى الرغم من الترحيب السعودي بالاتفاق إلا أن تحليلات سياسية رأت أن الرياض ضالعة في إشعال فتيل الخلاف بين فتح وحماس، بعد التوقيع على الاتفاق.

تقارير إعلامية قالت إن "المصالحة الفلسطينية كانت تسير ببطء، لكنها لم تكن متعثرة، إلى أن جاء اللقاء بين الرئيس محمود عباس وولي العهد السعودي محمد بن سلمان أخيرًا (في 6 نوفمبر الماضي)، ما قلب الموازين، وغيّر من لهجة السلطة تجاه ملف المصالحة وإنهاء الانقسام".

التحليل السابق، أضاف أن السعودية "وضعت شروطًا لتمويل المصالحة الفلسطينية ومضيها للأمام، من بينها، طلبها قطع الاتصال بين حماس وإيران وحزب الله اللبناني".

ويبدو أن الارتباط وثيق بين ملف المصالحة وما كشفته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، بشأن فحوى اللقاء الذي جمع ابن سلمان وعباس.

الصحيفة نقلت عن مصادر رسمية فلسطينية وعربية وأوروبية، أن ولي العهد السعودي، اقترح على الرئيس الفلسطيني، خطة ترمي إلى تصفية القضية الفلسطينية، وصفتها بأنها منحازة لإسرائيل أكثر من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه.

وذكرت الصحيفة أن بن سلمان اقترح خطة تكون فيها الدولة الفلسطينية مقسمة إلى عدد من المناطق ذات حكم ذاتي، وتبقى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة "ملكًا" لإسرائيل، وتكون أبو ديس عاصمة فلسطين وليس القدس الشرقية، وكذلك لن يمنح حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

ونقلت الصحيفة عن مصادر وصفتها بأنها مطلعة على تفاصيل المحادثة بين "ابن سلمان" و"عباس" قولها إن الأول عرض على الأخير أموالًا طائلة للسلطة الفلسطينية وله شخصيًا، لكنه رفض.

يأتي هذا في ظل ترقب عربي وإسلامي ودولي لقرار ترامب بشأن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، في خطوة تصعيدية تتضمن الاعتراف بالمدينة المحتلة عاصمة موحدة وأبدية للاحتلال.

البيت الأبيض أعلن الإثنين، أن الرئيس الأمريكي، أجّل قراره بنقل سفارة بلاد، على أن يتخذ القرار في هذا الشأن "خلال الأيام القليلة القادمة".

مصر: للصبر حدود

مبدئيًا، فإن القاهرة التي ألقت بثقلها السياسي والأمني والتاريخي والجغرافي من أجل الوصول لتوقيع اتفاق المصالحة، لن ترضى بنسف الاتفاق، وستسعى بكل قوتها من أجل إنقاذه.

ولعل الهدف المصري الرئيسي يسعى للحفاظ على مكانتها ودورها، بعد الجهود المضنية التي بذلتها من أجل استعادة زمام الأمور في القضية، إثر سيطرة تركية قطرية إيرانية خلال السنوات القليلة الماضية، التي شهدت تعمق الخلافات والتوترات بين القاهرة والحركة على خلفية الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013.

الإصرار المصري على إتمام المصالحة عبرت عنه تصريحات الوزير خالد فوزي رئيس جهاز المخابرات العامة، لدى وصوله إلى غزة في 3 أكتوبر الماضي، لحضور أول اجتماع لحكومة الوفاق في القطاع تمهيدًا لاتفاق المصالحة الموقع في 12 أكتوبر بالقاهرة.

"فوزي" ربط بين إتمام المصالحة الفلسطينية والأمن القومي المصري، وفي الوقت ذاته أطلق تصريحًا في منتهى الخطورة، حيث قال: "لا يغيب عن أذهاننا ما تقوم به بعض الأطراف لعرقلة التوصل إلى الوفاق الفلسطيني..".

ولعل مسألة سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة من أعقد الملفات التي قد تعرقل المصالحة، ففي حين تصر حماس على ضرورة أن تحتفظ المقاومة بسلاحها، تشدد فتح على ضرورة توحيد السلاح واقتصاره على السلطة.

الموقف المصري بهذا الشأن رافض من الأساس لمجرد طرح موضوع سلاح المقاومة للنقاش قبل حل القضية الفلسطينية ككل.

وعليه فإن مصر سوف تصر على نزاهتها في الوساطة وعدم نقض ما تعهدت به، وبالتالي المضي قدمًا في طريق المصالحة.

لكن الصبر المصري، إن جاز التعبير، في تحمل حجج الطرفين المعرقلة للاتفاق ربما يكون له حدود، قد تصل بنهاية الأمر إلى مرحلة الضغط والإجبار، نظرًا لما تصبو إليه القاهرة من استقرار في سيناء المشتعلة، وهو الأمر المرتبط ارتباطًا وثيقًا بهدوء الأوضاع في المنطقة الحدودية مع قطاع غزة.

كما تريد مصر أن تؤمّن الحدود عبر تشكيل حكومة فلسطينية تستلم المعابر وتهيمن على الحدود مع مصر وإسرائيل.

تعارضًا مع هذا السياق، قد يلمح كثيرون إلى طبيعة العلاقات بين النظام الحاكم في مصر منذ الإطاحة بمرسي، وبين حركة حماس والذي اتسم بالعداء على مدار سنوات، الأمر الذي يحيط الدور المصري في المصالحة بمزيد من الشكوك حول نزاهته.

فهل يمكن اعتبار التدخل المصري القوي في هذا الملف، يعد تمهيدًا لكسر شوكة حماس ونزع سلاحها – حتى لو تعارض هذا مع ظاهر ما تقوم به القاهرة – تماهيًا مع رغبة الاحتلال الإسرائيلي الذي يتمتع بعلاقات وثيقة وغير مسبوقة مع النظام المصري.

هذا السيناريو يمهد لما قيل إنها التسوية الإقليمية المرغوبة من أمريكا والاحتلال للقضية الفلسطينية، في سياق ما عُرف إعلاميًا بـ"صفقة القرن".

دراسة الجنرال الإسرائيلي "جيورا أيلاند" والتي نشرت تفاصيلها تقارير إعلامية في 2010، تقوم على اقتطاع 720 كيلومترًا مربعًا من شمال سيناء للدولة الفلسطينية المقترحة تبدأ من الحدود المصرية مع غزة، وحتى حدود مدينة العريش، على أن تحصل مصر على مساحة مماثلة داخل صحراء النقب الواقعة تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، بينما تخلو الضفة الغربية بالكامل للاحتلال.