ما بعد «صالح».. هاويةٌ سعودية جديدة لمغامرات «الأمير المتهور»

ما بعد «صالح».. هاويةٌ سعودية جديدة لمغامرات «الأمير المتهور»

01:54 ص

05-ديسمبر-2017

"المساعدة التي توقَّعها صالح من التحالف كانت أعجز من أن تُغيّر في ميزان القوى، والقصف الذي حصل في اليومين الماضيين لم يكن كافيًا لتغيير النتيجة"..

بهذه الكلمات وصف المحلل السياسي، "أمين قمورية"، تطورات الأزمة التي شهدتها صنعاء، وصولًا إلى إعلان مقتل الرئيس اليمني المخلوع، "علي عبد الله صالح"، الإثنين (4 ديسمبر).

ويُمثِّل وصف "قمورية" جزءًا من سياقٍ عام اتفق عليه أغلب المراقبين، وهو أن "الانقلاب الداخلي"، الذي حاول "صالح" تنفيذه ضد حلفائه الحوثيين، بإيعازٍ ودعمٍ من السعودية والإمارات، آل إلى الفشل.

ولا يعود هذا التقييم إلى مقتل "صالح" فقط، إذ كان من الممكن نجاح المحاولة بقيادة أحد مساعدي "صالح" بعد مقتله، وذلك في حال تمكُّن قوات حزب المؤتمر الشعبي من السيطرة الميدانية الفاعلة في صنعاء وتحكمها الكامل في مفاصل مؤسسات الدولة، غير أن هذا الافتراض لم يحدث في الواقع.

تقديراتٌ متهافتة

وإذا كانت أسباب فشل محاولة "صالح" للقفز من سفينة الحوثيين منتصرًا تعود إلى عوامل خاصة بقواته على الأرض، فإنها لا تنفصل أيضًا عن تهافت "تقديرات" الداعمين الإقليميين في كلٍ من الرياض وأبو ظبي، الأمر الذي كشفه إحكام الحوثيين لردِّ فعلٍ بدا منظمًا ومحكمًا.

بداية هذه التقديرات تعود إلى وصول المفاوضات السرية بين السعودية وإيران بشأن تقاسم النفوذ الإقليمي بينهما إلى طريقٍ مسدود، على خلفية رفض إيران لاشتراطات "الضمان الأمني" الذي طالبت به الرياض، وأهمها نزع صواريخ الحوثيين، وإلزامهم بمنطقةٍ حدوديةٍ خاليةٍ من السلاح، والابتعاد الكامل عن أي تهديدٍ لحرية الملاحة بمضيق باب المندب، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.

وإزاء موازين القوى، التي رجَّحت من هيمنة الحوثيين على الأرض، وجعلت منهم مصدرًا لتهديد "عمق" الأراضي السعودية، وليس فقط حدودها (وصلت صواريخهم العاصمة الرياض)، لم تجد طهران نفسها مضطرةً لقبول الاشتراطات السعودية، وهو ما واجهه ولي عهد المملكة، وحاكمها الفعلي، الأمير "محمد بن سلمان"، بقرارٍ استراتيجي مفاده المضي قُدُمًا في مغامرةٍ إقليميةٍ جديدة.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة إعلان" width="100%" height="315"> رئيس الوزراء اللبناني، "سعد الحريري"، استقالته من الرياض، وما تلاها من أزمةٍ دبلوماسيةٍ وجد "بن سلمان" نفسه أمامها مضطرًا للسماح بسفره إلى فرنسا، ومنها إلى لبنان، ليعلن منها تراجعه عن ما أعلنه بالرياض!

ورغم نتائج الفشل الذريع لتكتيك تفجير جبهة لبنان للضغط على إيران، بدا "بن سلمان" مصرًّا على المضي قُدمًا في طريق المغامرة إلى نهايته، وفي كل الجبهات على التوازي.

ففي ذات الوقت الذي استدعى فيه "بن سلمان" الرئيس الفلسطيني، "محمود عباس"، لإقناعه بقبول تفاصيل "صفقة القرن" تمهيدًا لقيادة جبهةٍ عربيةٍ تُطبِّع العلاقات رسميًا مع إسرائيل وتدخل معها في "حلفٍ إقليمي" ضد إيران، استضافت الرياض ممثلي المعارضة السورية لـ"توحيد" وفدهم المفاوض في جنيف، فيما كان الحلفاء في أبو ظبي "يهندسون" خطة "انقلاب" يقوم به "علي عبد الله صالح" في صنعاء.

أما وفد المعارضة فمجرَّد قبوله الدخول في مفاوضاتٍ مع "النظام السوري" يعني اعترافًا ضمنيًا به، وإن شدَّد ممثلوها على عدم قبول أي دورٍ رمزي لرئيسه، "بشار الأسد"، في مستقبل بلادهم، الأمر الذي بات مُتجَاوزًا من قِبَل أغلب أطراف المجتمع الدولي، بما يعني انتصار إيران في دعمها لاستمرار حليفها رغم إرادة كل هذه الأطراف على "خلعه" طوال السنوات الماضية.

خطة الحوثيين

وأما محاولة تنفيذ انقلاب على "حلف الانقلاب" في صنعاء فبدت خطتها كلاسيكية إلى حدٍ بعيد، إذ اعتمدت على فكرة التنفيذ عبر جناحين، أحدهما برِّي، تُمثِّله قوات "صالح" على الأرض، والآخر جوِّي، تُمثِّله طائرات التحالف الذي تقوده السعودية.

تصوَّر المخططون أن توفير الغطاء الجوي "الهجومي" لقوات "صالح" كفيلٌ بحسم المعركة في صنعاء، لكن تكتيك الحوثيون كان أكثر ذكاءً من هذا التصور.

ترك الحوثيون السيطرة على المؤسسات الاستراتيجية في البداية، وعلى رأسها مقرُّ التليفزيون الرسمي، ووزارة الدفاع، وانسحبوا منها تمامًا بعد ساعاتٍ قليلةٍ من الاشتباكات، ما أغرى "صالح" وحلفاءه الجدد (أعداء الأمس) لإعلان الانتصار.

وسادت حالةٌ احتفائية حسابات المسؤولين السعوديين والإماراتيين، الذين دشَّنوا وسومًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي منها: "لا حوثي بعد اليوم"، و"صنعاء تنتفض"، في الوقت الذي وصف فيه المستشار بالديوان الملكي، وصديق "بن سلمان" المُقرَّب، "سعود القحطاني"، ما جرى بأنه "نهاية أبدية لوجود إيران باليمن".

وما هي إلا ساعاتٌ حتى اتضح أن تقييم "القحطاني" كان متسرعًا إلى أبعد حد، فالنهاية الأبدية تلقَّاها "صالح" برصاصةٍ في رأسه، برفقة أمين عام حزب المؤتمر، "عارف زوكا"، والأمين العام المساعد، "ياسر العواضي"، إضافةً إلى نجل الرئيس المخلوع (خالد).

فخٌ منصوب

وبقراءة تفاصيل عملية الاغتيال، يمكن القول بأن الانسحاب الحوثي يوم السبت (2 ديسمبر) كان تكتيكيًا، بهدف "تثبيت" ارتكاب محاولة الانقلاب بحق "صالح" وحلفائه، على غرار ما فعله الرئيس التركي، "رجب طيب أردوغان"، مع الانقلابيين في تركيا، مع فارق التشبيه بالطبع.

فمنذ أغسطس الماضي والحوثيون يتحدثون عن رصدهم لـ"غدر" حليفهم ومفاوضاته السرية مع الإمارات من خلال نجله (أحمد)، الذي يُقيم في أبو ظبي، وكثيرًا ما تحدثت تقارير الصحافة الغربية عن إعداده ليكون خليفة والده.

في هذه الأثناء كانت التوترات تتطور إلى اشتباكاتٍ بين أنصار "صالح" والحوثيين بشكل متقطِّع، ما يمكن القول بأنه كان بمثابة "بروفة" لمحاولة الانقلاب على الحليف الحوثي فيما بعد.

وليس سرًا أن موقف أبو ظبي من الربيع العربي جعلها أقرب إلى قبول "صالح" من الرئيس اليمني الحالي، "عبد ربه منصور هادي"، ولذا كان تعاطيها السلبي مع سلطة الأخير، ودفعها للرياض باتجاه التخلِّي عنه وتهميشه، وهو ما استجاب له "بن سلمان" بالفعل، ليتحوَّل وضع "هادي" إلى ما يشبه حالة "الاحتجاز" في الرياض، على غرار ما جرى مع "الحريري" سابقًا (طالع تحليل القصة بشأنه).

بلغ التهميش مداه عندما غاب "هادي" تمامًا عن أي ظهورٍ إعلامي بعد إعلان الإعلام السعودي لـ"انتصار الانتفاضة الشعبية في صنعاء"، وانهيار الهيمنة الإيرانية على اليمن، إذ لو كان حرًا في حركته لألقى كلمةً متلفزة بطبيعة الحال.

لكن تواري "هادي" عن المشهد كان مطلوبًا في هذا الوقت، فالمخطط قائمٌ على عودة "صالح" لصدارة المشهد اليمني من جديد، لكن في ثوب "التائب المقبول"، ومن هنا جاء التوجيه المباشر من "القحطاني" ووزارة الثقافة والإعلام السعودية لكافة الصحف والقنوات الفضائية باستخدام تعبير "الرئيس السابق" بدلًا من "المخلوع" في وصفه.

بدا واضحًا للمراقب أن "بن سلمان" قرَّر التسليم بخطة الإماراتيين استنادًا إلى علاقة التحالف الاستراتيجي التي تجمعه بنظيره في أبو ظبي، "محمد بن زايد"، حتى خرجت التسريبات مؤكدةً على اقتراب الإطاحة بـ"هادي" قريبًا، بما يعني تخلي الرياض تمامًا عن شعارات "الدفاع عن الشرعية" في اليمن لصالح تبني التصوُّر المرتكز على الموقف المناهض لكل نتائج الربيع العربي.

وفي المقابل، نصب الحوثيون الفخ لـ"صالح" في الداخل والسعودية والإمارات بالخارج، ليتم إثبات "الشروع في محاولة الانقلاب" عمليًا، ثم تنفيذ خطة الردع المضاد في اليومين التاليين.

بصماتٌ إيرانية

ومن هنا يمكن قراءة إفادة المصادر المحلية التي كشفت عن "مخابئ سرية" على كامل مساحة صنعاء استدعى منها الحوثيون مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والدبابات والمدرعات، لتنقلب موازين القوة رأسًا على عقب بين عشيةٍ وضحاها.

لم تكن هذه المخابئ ولا خطة التراجع التكتيكي محل تقديرٍ من جانب "بن سلمان" وحلفائه بالإمارات، إذ تصوروا أن إحكام غلق المنافذ المؤدية إلى اليمن ودعم "صالح" جويًا كفيلٌ بحسم المعركة، ما اعتبره العالمون بخبرة الداعم الإيراني نوعًا من "الخفة" يصل إلى مستوى الهواة.

فالأحداث المتلاحقة أثبتت، بما لا يدع أي مجالٍ للشك، أن تمسك الإيرانيين بحلفائهم أحد ثوابتهم الاستراتيجية غير القابلة للتغيير، ولعل نموذج "بشار الأسد" أوضح الأمثلة في هذا الشأن.

ظهرت البصمات الإيرانية واضحة في خطة الحوثيين لاستعادة الزمام بصنعاء، دون تدخلٍ إيراني مباشر، ليخسر "صالح" حياته، ويتعزز الوضع الاستراتيجي لهيمنة الحوثيين "منفردين" على الشمال اليمني، وتصبح كلًا من السعودية والإمارات مكشوفتان تمامًا لمرمى صواريخ الذراع الإيراني باليمن.

ففي الوقت الذي بدأت فيه عملية استعادة الزمام في صنعاء، وصلت صواريخ الحوثيين إلى قلب الرياض مجددًا، ونفَّذوا تهدديهم السابق باستهداف أبو ظبي في واحدةٍ من أكثر مؤسساتها حساسية (مفاعل براكة النووي).

ورغم أن هيئة الطوارئ والأزمات الإماراتية نفت إصابة الصاروخ للمفاعل، إلا أن وسائل الإعلام المختلفة لم تُقدِّم صورةً واحدة لإثبات عدم صحة ما أعلنه الحوثيون عبر قناتهم الفضائية (المسيرة).

وأيًا ما كان صحة النفي الإماراتي، فالمؤكَّد أن الحوثيين فجَّروا منزل "صالح" في حي حدة، وسط صنعاء، إضافةً إلى منازل لأفرادٍ من عائلته، وفي ساعاتٍ معدودة تحولت "اليمن اليوم"، التابعة لـ"صالح"، إلى قناةٍ حوثيةٍ بامتياز، بعد سيطرة مسلحي جماعة أنصار الله عليها.

وإزاء نتائج ما جرى في صنعاء، يمكن القول بأن الوضع الاستراتيجي لإيران وحليفها بات أكثر تمكُّنًا، في مقابل خيبةٍ جديدةٍ لمغامرة "بن سلمان" الإقليمية، التي بدت "غير محسوبةٍ" كسابقاتها، وهو ما دفع العديد من وسائل الإعلام الغربية إلى تكرار وصف مجلة "لوبوان" الفرنسية له بـ"الأمير المتهور".

 وبذلك سيكون أمام السعوديين اختياران، أحلاهما مر، فإما القبول بتقاسم النفوذ الإقليمي وفق الشروط الإيرانية، وتحت تهديد مرمى صواريخ أذرعها لكامل مساحة المملكة، بما يعني الخضوع عمليًا لبسط النفوذ الإيراني بالإقليم، أو المضي قُدُمًا في مزيدٍ من المغامرات غير المحسوبة.