استقرار السودان.. رغبة دولية في تماسكه أم لاستخدامه «محاربا بالوكالة»؟ (تحليل)

استقرار السودان.. رغبة دولية في تماسكه أم لاستخدامه «محاربا بالوكالة»؟ (تحليل)

10:00 ص

12-أكتوبر-2017

يستعد السودان للدخول في مرحلة جديدة من تاريخه، بعد رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي استمرت لنحو 20 عامًا، بعد إحراز الخرطوم تقدمًا في محاربة الإرهاب، وتسجيل تحسن في أوضاع حقوق الإنسان.

وبينما أبقت الإدارة الأمريكية السودان مدرجًا على قائمتها للدول الراعية للإرهاب مع إيران وسوريا بوضع يفرض حظرًا على مبيعات الأسلحة وقيودًا على المساعدات الأمريكية، تضمن القرار الحصول على تعهد من السودان بأنه "لن يسعى إلى إبرام صفقات أسلحة" مع كوريا الشمالية.

فهل يمكن القول بعد هذا التقارب، إن هناك حرص أمريكية ودولي على بقاء السودان متماسكًا، أم أن الأمر لا يعدو كونه استغلال قواه وإمكاناته، البشرية تحديدًا، في أزمات أخرى بالوكالة؟.

دور سعودي إماراتي

اتصالان هاتفيان أجراهما الرئيس السوداني عمر البشير في أعقاب القرار الأمريكي، يكشفان إلى حد كبير طبيعة الدور الإماراتي والسعودي في خروج الخرطوم من نفق العقوبات الاقتصادية، بعد نحو 6 أشهر من المفاوضات مع واشنطن.

في الاتصال الأول توجه البشير بالشكر لولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد لدور بلاده الفعال في رفع العقوبات، بينما تعهد "ابن زايد" بمواصلة الجهود من أجل رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

وفي اتصال مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أعرب البشير عن تقديره "للجهود التي بذلها والتي كللت برفع العقوبات عن السودان".

الشكر السوداني يكشف أن البلدان الخليجيان لعبا دورًا بارزًا في إقناع الإدارة الأمريكية بالعدول عن رفع العقوبات، استغلالًا لعلاقات وثيقة بشكل غير مسبوق بين الولايات المتحدة والبلدين كل على حدة.

ويبدو أن تلك الجهود المبذولة مرتبطة بشكل أو بآخر، بمشاركة السودان في التحالف العربي الذي تقوده المملكة لقتال الحوثيين في اليمن، منذ مارس 2015.

آخر إرهاصات هذه المشاركة المتميزة، كانت في أغسطس الماضي عندما توجهت طلائع جديدة من القوات السودانية إلى عدن، لتضاف إلى أكثر من 8 آلاف مقاتل أرسلهم السودان منذ بدء مشاركته في عملية عاصفة الحزم في أكتوبر 2015.

في اليمن لا ينكر أحد الدور الكبير والمتزايد للقوات السودانية البرية في العمليات الدائرة هناك، تلك القوات تنشط في محافظة عدن، حيث تتوزع بين منطقة المعاشيق ومطار عدن الدولي ومنطقة صلاح الدين، وفي الساحل الغربي الممتد من ميدي شمالاً حتى باب المندب جنوبًا.

دعم «مشبوه»

عودة إلى الداخل السواني، حيث لوحظ مؤخرًا تزايد الدعم الأمريكي والدولي للخرطوم، في عمليات التنمية والأعمال الإنسانية، خاصة في تلك المناطق الأكثر فقرًا أو التي تعج بالمجموعات المسلحة.

ففي سبتمبر الماضي، استقبل وزير التعاون الدولي السوداني "إدريس سليمان" مديرة بعثة المعونة الأمريكية في السودان م"ارسيا موسيسي"، مطالبًا بتحويل العون الإنساني الذي تثقدمه المعونة إلى "تنموي".

شهد اللقاء التباحث حول البرامج والمشروعات التي تنفذها المعونة الأمريكية بالسودان ومناطق المشروعات في مجالات الخدمات الاجتماعية، إضافة إلى العون الإنساني ودعم السلام بالبلاد وبناء القدرات وبرامج التدريب المهني.

وفي أغسطس زار المدير الإداري للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "مارك جرين" إلى الخرطوم، لإجراء مباحثات مع مسؤولي الحكومة السودانية حول التقدم المحرز لتحسين وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين بمناطق النزاع.

وفي الشهر نفسه أعلنت الصين، تقديم دفعة جديدة من المساعدات للسودان تتمثل في مبلغ 500 مليون يوان صيني وإعفاء 160 مليون من الديون، مبدية استعدادها لمعالجة الديون وآثار انفصال جنوب السودان.

وفي يناير، التقى وزير التعاون الدولي السوداني، المدير الإقليمي لبنك التنمية الألماني بوسط وشرق أفريقيا لبحث المساعدات التنموية الألمانية للسودان.

واتفق الطرفان على أن يمول البنك مشروعات ذات عائد تنموي، بالصورة التي تساعد المجتمعات على تنمية الدخل، وتيسير وزيادة الإنتاج في دارفور باعتبارها بداية لمشروعات البنك في الإقليم، بجانب مجموعة المساعدات الألمانية التي تمت في إطار دعم المجتمعات المستضيفة للاجئين بشرق السودان.

كما تطرق اللقاء لدور ألمانيا في دعم جهود السودان في رفع العقوبات الأمريكية، لتيسير مهمة التعاون بين الاتحاد الأوربي والسودان.

هذه الوقائع على سبيل المثال لا الحصر، تشير إلى اتجاه أمريكي ودولي نحو زيادة المشروعات التنموية في السودان، وبالأخص المناطق المشتعلة، الأمر الذي سينعكس على استقرار وتماسك البلاد.

فإذا وضعنا الشواهد السابقة (رفع العقوبات الاقتصادية، مساندة خليجية واضحة، حص دولي على التنمية والاستقرار) جنبًا إلى جنب، يمكننا أن نقرأ اتجاهها جميعًا صوب ما يمكن أن نعتبره حرصًا على أوضاع مستقرة في السودان، وإنهاء لعقود من الاقتتال الداخلي والأزمات الاقتصادية.

محارب بالوكالة

لكن في المقابل، ألا يمكن اعتبار هذا الحرص الدولي على استقرار السودان، ليس حبًا فيه أو حتى سعيًا لتجنب مشاكله وتصدير أزماته، ولكن من أجل أن تبقى قوته العسكرية والبشرية وقودًا لمعارك يخوضها وحروب بالوكالة نيابة عن دول كثيرة، ورأس الحربة في صراعات المنطقة؟.

النموذج الحاضر والأكثر وضوحًا هو تلك الحرب الدائرة في اليمن بين التحالف العربي بقيادة السعودية من جانب والحوثيين المدعومين إيرانيًا من جانب آخر.

السعودية التي تحارب بجانبها الإمارات، يبدوان غير مستعدين لمزيد من الخسائل البشرية، تحديدًا، في المعارك الدائرة، خاصة في ظل تقدم واضح للحوثيين على جبهات مختلفة.

هذا العزوف الإماراتي السعودي عن المجازفة والتضحية بمزيد من الخسائر، كان الدفاع الأكبر لاستمرار السودان في إرسال المزيد من قواته إلى آتون الحرب بشكل لم يسبقه إليه أي من الدول المشاركة في التحالف.

ولعل هذا الأمر يفسر الدور الإماراتي السعودي في الضغط على أمريكا من أجل رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان، كمقابل أو "أجرة" لتلك المشاركة القوية في حرب اليمن، والخسائر التي تُمنى بها الخرطوم دون غيرها.

السودان لم يستطع أن يخفي كثيرًا حقيقة تلك الخسائر، واضطر لكشفها مؤخرًا، قبل نحو أسبوعين، على لسان قائد قوات الدعم السريع في الجيش السوداني الفريق محمد حميدتي.

المسؤول العسكري قال إن (412) من القوات السودانية قُتلوا بينهم 14 ضابطاً خلال المعارك في اليمن، حيث شاركت القوات بفعالية وتمكنت من تحرير مناطق في اليمن، إلى جانب القوات اليمنية والسعودية والإماراتية والبحرينية في غالبية 40 جبهة قتال.

ودائمًا ما تقول وسائل إعلام تابعة للحوثيين وموالية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، إن ميليشياتها تلحق خسائر فادحة بالقوات السودانية المشاركة في القتال، إلا أن السودان ينفي تلك التقارير.

هذه الحقائق عززت ما يثار بشأن سيطرة التحالف بين أمريكا والسعودية والإمارات على القرار السوداني في هذا الشأن، الأمر الذي جعله مرهونًا بما يمكن أن يقدمه التحالف في المقابل مثل قرار رفع العقوبات.

السيطرة انعكست على بقاء الجيش السوداني، لما له من خبرات قتالية وتمتعه بقوات بشرية كبيرة، على أهبة الاستعداد للمشاركة في أية صراعات مقبلة بالوكالة عن دول هذا التحالف، وهو ما تحقق بالفعل في اليمن.

وثمة أحد الأوراق الهامة التي تلعب بها الإمارات وتشهرها دائمًا في وجه السودان، خاصة بعد رفع العقوبات، وهي بقائه في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

"العصا والجزرة"، يبدو النهج الذي تسلكه الإمارات في التعامل مع السودان، لضمان أن تبقى الخرطوم رهينة عسكرية لدى أبو ظبي، مقابل ما يمكن أن تقدمه الأخيرة لها من دعم مادي وضغط دولي وغيره.

ولعل الدليل الأبرز على ذلك، هو التعهد الذي قطعه ولي عهد أبو ظبي على نفسه "بمواصلة الجهود من أجل رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب"، وذلك في الاتصال مع البشير، كما سبق وأشرنا.