بعد أمريكا.. السعودية «آخر المستسلمين» لبقاء «الأسد».. فمن العرّاب؟ (تحليل)

بعد أمريكا.. السعودية «آخر المستسلمين» لبقاء «الأسد».. فمن العرّاب؟ (تحليل)

02:00 ص

12-أكتوبر-2017

«آخر المستسلمين» لبقاء «الأسد».. بتلك الكلمات وصفت  وكالة «بلومبيرج» الأمريكية، المملكة العربية السعودية، فيما يتعلق بموقفها حول بقاء رئيس النظام السوري «بشار الأسد»؛ وذلك بعد أن كررت التصريحات الرسمية الصادرة عن المملكة مرارا أنه لا مكان للأسد في سوريا، وأن عليه أن يختار بين الرحيل طواعية أو الرحيل بأقدام الثورة وسلاح الثوار.

كل ذلك لم يعد أحد يردده في العلن، لكن كل ما يمكن أن يقوله وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير»، إن السعودية وروسيا (أبرز داعم لبشار) تعملان على تقريب موقفيهما من أجل التوصل إلى «حل سلمي» في سوريا.. كيف حدث ذلك التحول؟.. ومن العراب؟.

الوكالة الأمريكية قالت إن السعوديين لحقوا بأمريكا وأوروبا في إقرارهم بضرورة بقاء «الأسد» في حكم سوريا، وضرورة تنسيقهم العمل مع روسيا للوصول إلى تسوية كاملة وحل شامل، بشأن تلك الحرب الدائرة منذ 6 سنوات.

ضغط سعودي.. تخلٍّ أمريكي

وأشارت «بلومبيرج» إلى أن ما يؤكد تلك الفرضية، هو استضافة الرياض لمجموعات المعارضة لحثهم على الاتفاق مع الفصائل المتشددة على ضرورة أن يكونوا أقل إصرارا على رحيله الفوري.

كما أن زيارة وزير الخارجية الروسي، «سيرغي لافروف»، إلى الرياض، وزيارة الملك «سلمان بن عبدالعزيز المرتقبة إلى موسكو، تظهر أيضا أن السعودية بدأت فعليا في الاستسلام والتراجع عن موقفها المتشدد بشأن سوريا.

أحد أسباب التحول السعودي المفاجئ، يرجع بصورة كبيرة للخسائر المتتالية، التي منيت بها المعارضة السورية، واستعادة الأسد فعليا السيطرة على جزء كبير من البلاد، خلال العامين الماضيين، كما أن إعلان إنهاء الإدارة الأمريكية الجديدة برنامج تسليح المعارضة السورية سبب آخر، حيث يعني ذلك تخلي الرئيس الأمريكي، «دونالد ترامب»، عنهم، علاوة على التعاون القائم حاليا بين موسكو وتركيا.

العرّاب

لا يمكن في رصد ذلك التحول السعودي الكبير القفز على دور العراب الذي لعب دورا محوريا في هذه القضية، إذ أنه فترة من التوتر السعودي المصري بسبب اختلافات الموقف في سوريا، أصبحت السعودية تبلغ فصائل المعارضة الموالين لها أن عليهم الاستجابة للرؤية المصرية؛ كما أن تصريحاتها بشأن سوريا تتطابق تماما مع تلك التصريحات الصادرة من القاهرة.

«لافروف» ألمح إلى قيام مصر بدور العراب في هذا التحول، إذ رحب بالنهج الجديد للسعودية قائلا: «السعودية الآن تقدم مساعدة جادة، تقوم بتوحيد مجموعات المعارضة، بما في ذلك مجموعة الرياض وموسكو والقاهرة، بشكل متواز يعمل المصريون، وهم لعبوا دورا مهما في تأمين اتفاق حول منطقتين من أصل أربع لخفض التصعيد»... لكن «لافروف» لم يعط مزيدا من التفاصيل حول ذلك «الدور المصري المهم»

وتنادي مصر بحل سياسي للأزمة السورية، وتعمل على استئناف التطبيع مع سوريا وترميم العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها، ما يعني إعطاء شرعية رسمية مصرية ولاحقا عربية لنظام «الأسد»، مما يمكن لمصر سحب البساط من تحت أقدام الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، وبالتالي توفير بديل عربي لسوريا عن اعتمادها الحصري على إيران.

ويؤيد «السيسي»، بقاء «الأسد» في الحكم خوفا من انهيار سوريا، والعواقب التي يمكن أن تحدث أيضا في مصر، في وقت فشلت السعودية، في الحسم العسكري أو السياسي بسوريا.

ومنذ العام الماضي، تزايدت وتيرة الدعم الذي تقدمه القاهرة لـ«الأسد»، وسط تقارير تتحدث عن الانخراط المصري في القتال إلى جانب قوات النظام السوري.

الأسـد باقٍ

تزامنا مع تلك الأنباء، أفاد مصادر صحفية نقلا عن مصادر بالمعارضة السورية أن وزير «الجبير» أبلغ «الهيئة العليا للمفاوضات» بأن رئيس النظام السوري «بشار الأسد» باق، ونقلت مراسلة قناة «روسيا اليوم» عن المصدر أن «الجبير» أبلغ الهيئة بضرورة الخروج برؤية جديدة وإلا ستبحث الدول عن حل لسوريا دون المعارضة.

 وقال المصدر نقلا عن «الجبير» أنه لم يعد ممكنا خروج «الأسد» في بداية المرحلة الانتقالية، وأنه يجب البحث في مدة بقائه في المرحلة الانتقالية وصلاحياته في تلك المرحلة، وطلب من الهيئة العليا للمفاوضات التحضير لعقد «مؤتمر الرياض الثاني» لإعادة هيكلة الهيئة قبل جولة مفاوضات جنيف المقبلة.

تصريحات «الجبير» التي تناقلتها وسائل إعلام على نطاق واسع، نفى مصدر مسئول بوزارة الخارجية «دقتها»، وبحسب وكالة الأنباء السعودية (واس)، فقد أوضح ذلك المصدر «عدم دقة ما نسبته بعض وسائل الإعلام لـ«الجبير».

على إثر ذلك أعلنت الهيئة العليا للمفاوضات لقوى الثورة والمعارضة السورية، «بدء التنسيق لعقد اجتماع موسع للهيئة مع نخبة مختارة من القامات الوطنية السورية وناشطي الثورة، في العاصمة السعودية».

وقال بيان للهيئة، في أغسطس الماضي إن الهيئة العليا للمفاوضات من السعودية استضافة اجتماع موسع للهيئة العليا مع نخبة مختارة من القامات الوطنية السورية وناشطي الثورة، من أجل توسيع قاعدة التمثيل والقرار على قاعدة بيان الرياض كمرجعية أساسية للهيئة في المفاوضات من أجل عملية الانتقال السياسي.

ترحيب روسي

وعلى الرغم من أن الاجتماع الأول للهيئة الذي عقد في السعودية في ديسمبر 2015، بحضور شخصيات من مختلف أطياف المعارضة السورية، وشارك فيه «الجبير»، أنتج أكثر أنواع المعارضة السورية قسوة على نظام بشار ورفضا لبقائه ولو لمرحلة انتقالية واعتبار من يحاور بشار خائنا، فإن وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، إعلن أن موسكو ترحب بجهود الرياض الرامية إلى توحيد المعارضة السورية قبل انطلاق الجولة الجديدة من المفاوضات الخاصة بتسوية الأزمة في سوريا.

تصريحات لافروف أواخر سبتمبر الماضي ألمحت إلى علم روسي مسبق بأن المؤتمر لن يكون بعنف سابقه في رفض بشار والحوار معه، إذ قال أيضا: «إننا نرحب بالجهود، التي تبذلها السعودية قبيل استئناف عملية جنيف لتوحيد المعارضة (السورية) على أسس بناءة للمفاوضات المباشرة مع حكومة دمشق».

عثرات على طريق القبول

لكنه في المقابل، أكد رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير «تركي الفيصل»، أن المملكة العربية السعودية، لم تعلن ولا توافق على بقاء بشار الأسد رئيسا لسوريا، لكنه استدرك في حواره مع وكالة «سبوتنيك» الروسية، أن «السوريين يجب أن يحلوا ذلك الأمر، ويجب إنشاء آلية تمكن الشعب السوري من اتخاذ مثل هذا القرار».

تصريحات تركي تكشف أن قبول السعودية بقاء بشار ليس مفتوحا على مصراعيه، إذ إن هناك عثرات تواجه ذلك القبول، أولها المبالغة السعودية السابقة في تصريحاتها ضد الأسد، وتأكيداتها الجازمة التي لا تزال قوى المعارضة السورية تذكرها بها مع انسحابها من المشهد.

لكن حجر العثرة الرئيس الذي يقف حائلا دون إعلان السعودية النهائي دعمها الكامل للأسد هو وقوف إيران إلى جانبه؛ فالسعودية التي باتت تنظر بقلق لتنامي النفوذ الشيعي شمالها وجنوبها في كل من (العراق وسوريا ولبنان) شمالا، و(اليمن) جنوبا، أصبحت تشعر أنها مطوقة، وأسهمت تصريحات سابقة لزعماء إيرانيين بأن الثورة الإيرانية ستتمدد مجددا، في تفاقم خوف السعودية من ذلك.

التقارب السعودي الروسي أيضا جاء في ذلك الإطار، فبحسب «بلومبيرج»، فإن هناك هدفت من تطوير المملكة علاقات التقارب مع روسيا، ويتمثل هذا الهدف في الرغبة السعودية في مواجهة صعود الحليف الآخر القوي الداعم للأسد، ألا وهو إيران، خاصة وأنه وفقا لتقارير عديدة لعبت دورا كبيرا في الانتصارات الإستراتيجية العديدة التي حققها جيش النظام السوري.

مسألة بقاء حكومة النظام السوري وحتى بقاء «الأسد» نفسه، لم تعد مشكلة ولا تمثل أهمية لدى المملكة، لكنها تحاول دفع روسيا للضغط بقوة من أجل إنهاء وجود إيران في سوريا، هذه هي القضية الأهم بالنسبة إليها، لكن الأزمة تكمن في أن موسكو تنظر إلى طهران على أنها حليف استراتيجي هام في الشرق الأوسط.