تفاقم أزمة التأشيرات بين أنقرة وواشنطن.. رؤية تحليلية للخلاف ومسار العلاقات (تحليل)

تفاقم أزمة التأشيرات بين أنقرة وواشنطن.. رؤية تحليلية للخلاف ومسار العلاقات (تحليل)

10:00 ص

11-أكتوبر-2017

أزمة دبلوماسية جديدة تشهدها العلاقات التركية الأمريكية في ظل تصاعد الخلاف حول التأشيرات، وتعليق الجانبين لخدمات إصدار التأشيرات لمواطني البلدين، الأمر الذي يأتي في سياق العلاقات المتوترة بين البلدين وينذر بوجود أزمة حقيقية بينهما.

فكيف بدأت الأزمة الجديدة وماذا يمكن أن يترتب عليها من تداعيات ثم ماذا عن الدوافع الحقيقية وراء هذا التشاحن في علاقات البلدين؟

حيث ترى أنقرة أن المشروعين الكرديين في سوريا والعراق ويكملان بعضهما وأن واشنطن ساهمت في تعزيز موقف الأكراد في سوريا على الأقل، ومن هنا جاء إعلانها عن إطلاق عملية إدلب تحت حجة إقامة منطقة رابعة لخفض التوتر تمهيدا للمفاوضات بالأزمة السورية، إلا أن الهدف الرئيسي منها من جانب أنقرة إجهاض المشروع الكردي السوري.

وأخيرا، يمكن الإشارة إلى أن نلك الأزمة خطوة جديدة في مسار تأزم العلاقات التركية الأمريكية، وعلى الرغم من أنها ستدفعها نحو المزيد من التباعد إلا أن ذلك لا يعني أنها ستصل إلى نحو لا يمكن تدارجه، حيث أشار عدد من المحللين إلى إمكانية حدوث اختراق قريب لها، لارتباط البلدان سياسيا واقتصاديا.

فهذه الأزمة مثلها مثل العديد من الأزمات الأخرى بين البلدين ستترك أثرها في تقليل فرص تحسن العلاقات بينهما إلى أن يتم حل الخلافات الرئيسية المتعلقة بالأزمة السورية وأكرادها والداعية "فتح الله غولن".

بـدايـة الأزمـة

بدأت الأزمة يوم الأربعاء الماضي عندما اعتقلت السلطات التركية، أحد موظفي البعثة الدبلوماسية الأمريكية في إسطنبول حيث اتهمته بالتجسس وأنه على بجماعة الداعية "فتح الله غولن" المقيم في الولايات المتحدة، والمتهم من قبل تركيا بتدبير الانقلاب الفاشل ضد الرئيس "أردوغان" العام الماضي، وحيث وجهت له رسميا تهمة التجسس والسعي للإطاحة بالحكومة التركية.

ردا على ذلك أكدت السفارة الأميركية بأنقرة في بيان لها يوم الخميس بأن التهم الموجهة إلى موظفها لا أساس لها من الصحة، وإزاء هذا أكد الجانب التركي على لسان المتحدث باسم الرئاسة "إبراهيم كالين" على وجود أدلة قوية بما في ذلك، اتصال هاتفي أجري من القنصلية الأمريكية في إسطنبول بأحد المشتبه بهم الرئيسين ليلة محاولة الانقلاب.

في هذا السياق اتخذت الولايات المتحدة قرارا بتعليق منح التأشيرات للأتراك حيث وضحت السفارة الأمريكية أن القرار جاء بناءا على اعتقال موظف قنصليتها بتركيا، مشيرة إلى أن ذلك الأمر أجبر الحكومة الأميركية على إعادة تقييم مدى التزام تركيا بحماية أمن البعثات الأميركية على أراضيها، كما وضحت أن هذا التعليق جاء لتقليص عدد الزوار خلال فترة التقييم، وأن هذا القرار "يسري على كل خدمات التأشيرات لغير المهاجرين في كل المرافق الدبلوماسية والقنصلية في تركيا".

على المسار ذاته بادرت تركيا بخطوات بالمثل حيث علّقت الأحد الماضي إصدار التأشيرات للمواطنين الأميركيين، معللة ذلك بنفس السبب الذي وضحته واشنطن وبنفس اللغة تقريبا مشيرة إلى أن القرار جاء نتيجة القلق حيال التزام الولايات المتحدة حماية أمن المنشآت الدبلوماسية التركية وموظفيها.

كذلك طالبت أنقرة الولايات المتحدة بالعدول عن قرار تعليق منح تأشيرات، حيث استدعت الخارجية التركية المسئول الثاني بالسفارة الأميركية في أنقرة "فيليب كوسنيت" أمس الاثنين، وسلمته طلب أنقرة بعدول واشنطن عن قرارها، وواصلت على الجانب الأخر تعقب موظفي البعثات الأمريكية على أراضيها.

في هذا السياق من التصعيد ثارت العديد من التحذيرات بشأن تأثير تعليق التأشيرات على العلاقات التجارية بين البلدين، حيث يمكن أن يشكل هذا عائق أمام حركة التبادل التجاري بين الجانبين والذي يبلغ حجمه نحو 17.5 مليار دولار سنويا. هذا وقد تسببت تلك الأزمة في انخفاض أسهم الخطوط الجوية التركية بنسبة 9%.

حقيقة الخلاف ومسار العلاقات

تكشف هذه الإجراءات التصعيديه كما أشار عدد من المحللين عن وجود أزمة مزمنة في العلاقات بين الجانبين، وأنه سيكون من الصعب استعادة العلاقات بين البلدين إلى ما كانت عليه في القريب العاجل.

فهذا التوتر الأخير بين الجانبين لا يعد الأول ولا يمكن إرجاعه فقط إلى حادث القبض على موظف القنصلية، وإنما هو بمثابة حلقة جديدة في مسار العلاقات المتأزمة بين البلدين والمنحى التصعيدي الذي تتجه إليه، حيث تشوب علاقات البلدين الكثير من الخلافات والتوترات بشأن قضايا عدة.

فعلى الرغم من أن الدولتين أعضاء في حلف الناتو والتحالف الدولي إلا أن العلاقات بينهما قد توترت بشكل كبير على خلفية قضيتين رئيسيتين هما: الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية السورية، التي تعتبرها تركيا خطا أحمر بالنسبة إلى أمنها القومي، والداعية "فتح الله غولن" الذي تطالب أنقره بتسليمه الأمر الذي ترفضه واشنطن.

فدائما ما وجه "أردوغان" الاتهامات إلى الولايات المتحدة بأنها تدعم القوى الإرهابية بسوريا مثل "داعش" وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب الكردية، وذلك على خلفية الدعم والسلاح الذي تقدمه واشنطن لـ"سوريا الديمقراطية" التي يشكل المقاتلون الأكراد عمودها الفقري لمحاربة تنظيم "داعش".

ودائما ما طالب "أردوغان" بالتدخل لمحاربة التنظيم بدلا من تلك القوات إلا أنه كان يقابل بالرفض من الجانب الأمريكي. كذلك زاد التوتر بين البلدين مع تزايد المخاوف التركية من قيام دولة كردية على حدودها مع سوريا خاصة بعد أن سيطر الأكراد حاليا على نحو ربع مساحة سوريا وعدد كبير من حقول النفط والغاز، وتمكن إقليم كردستان العراق من الاستقلال.