في ذكرى «ماسبيرو» السادسة: من القطيعة إلى الدعم المطلق.. تحولات في علاقة الكنيسة بالسلطة (تحليل)

في ذكرى «ماسبيرو» السادسة: من القطيعة إلى الدعم المطلق.. تحولات في علاقة الكنيسة بالسلطة (تحليل)

08:19 ص

11-أكتوبر-2017

قبل ستة أعوام، وعقب ثورة «25 يناير/كانون الثاني»، بدا أن مسار العلاقات بين الكنيسة والسلطة قد انتهى إلى قطيعة لا رجعة فيها، ولأعوام لحقت 2011، ظل يوم التاسع من أكتوبر/تشرين الأول في العام 2011، ذكرى أليمة للمسيحيين، ويوما تترقب فيه السلطات الأمنية تجمعات متظاهرين مسيحيين يحيون ذكرى قرابة 30 قبطيا قتلوا في أحداث دامية بالقرب من محيط مبنى التليفزيون المصري الرسمي، في ظل حكم المجلس العسكري، وعرفت الواقعة إعلاميا بـ«مذبحة ماسبيرو».

لكن أحداث ذكرى «مذبحة ماسبيرو» هذا العام مرت في هدوء تام، في وقت تحولت فيه العلاقة بين الأقباط ونظام الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي» إلى ود وتحالف وثيق، خاصة مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة المقرر في 2018، واعتماد النظام بشكل لافت على مظاهرات أقباط المهجر في حشد دعم شعبي للسيسي مع كل زيارة لأمريكا، رغم الاتهامات التي طالت المجلس العسكري الحاكم إبان ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، بالمسؤولية الكاملة عن المذبحة، وتردي العلاقات التي وصلت إلى حد القطيعة.

محطات وتحولات

وللكنيسة المصرية في مسارها مع السلطة وتعاطيها مع السياسة محطات وتحولات ومتغيرات، وللكنيسة القبطية مصلحتان رئيستان في المجال السياسي، تتمثّل أولاهما في الحفاظ على استقلالها المؤسّسي في مواجهة مؤسّسات الدولة...

في حين تتمثّل الثانية في احتكار الحق بالتحدّث باسم الأقباط، وفي عهد مبارك، دافع نظامه عن كلا المصلحتين لصالح زعامة الكنيسة؛ حيث تم التعاطي مع الكنيسة باعتبارها الممثّل الوحيد لأقباط مصر، كما حمى النظام الاستقلالَ المالي للكنيسة، وسمح لهذه الأخيرة بتجاهل أحكام القضاء في مايتعلّق بالشؤون الشخصية للأقباط، التي لم تكن معتمدة من جانب زعامة الكنيسة.

لكنه وبعد الثورة، شعرت الكنيسة أن وضعها وأفضليتها في الاستقلال وفي حماية شعبها بدأت تتعرض لخطر التغيير الذي عصف بالمؤسسات القديمة التي حمت تفاهماتها معها، لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2011...

إذ تطورت مظاهرة الأقباط التي جاءت للاحتجاج على هدم أهالي قرية «المريناب» بمحافظة أسوان، جنوبي البلاد، مبنى اتخذه الأقباط كنيسة بدعوى أنه «غير مرخص»؛ إلى اعتصام استمر لأيام أمام مقر التليفزيون الرسمي «ماسبيرو»، ذلك المبنى الضخم على ضفة نيل القاهرة، وسط العاصمة، وهو مقر للتليفزيون المصري أقدم التليفزيونات الحكومية في الشرق الأوسط وإفريقيا.

ويبدو من المهم في محاولة فهم علاقة الكنيسة بالسلطة ان نسترجع تعامل الكنيسة مع الروايات التي قيلت عن المذبحة، وكيف استطاعت الكنيسة مواجهة شعبها، بعد هذه الواقعة بتواؤمها مع السلطة..

روايات متناقضة

روايات شهود عيان مسيحيين تناقضت مع الروايات الرسمية حينها، «مينا ثابت»، ناشط حقوقي، وأحد المشاركين في التظاهرة، روى تفاصيل المذبحة، قائلا: «إن الاحتجاج بدأ أمام ماسبيرو 4 أكتوبر/تشرين الأول، وطالب بتأمين مسيحيي القرية المعرضين للاعتداء، وإعادة بناء الكنيسة ومحاسبة المعتدين، وإقالة محافظ أسوان وقتها؛ لكنه في مساء الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2011، فوجئ المصريون بالتليفزيون الرسمي يدعوهم للدفاع عن جيشهم في مواجهة «اعتداءات الأقباط»، في سابقة لم تشهدها مصر من قبل».

ووفق «مينا»، فما إن وصلت مسيرة قبطية إلى ماسبيرو حيث مقر الاعتصام حتى رأيت الجنود يطلقون النار في الهواء، وبعدها بدأت المدرعات في التحرك، ورأيت بعيني دهسها للمتظاهرين، وبعدها بدأ الجنود في إطلاق النار على المتظاهرين، والاعتداء على كل من يرونه، بحسب روايته لصحيفة «التحرير» المصرية.

لكن الرواية الرسمية التي روجتها وسائل الإعلام الحكومية، قالت إن «الأقباط بدأوا في الاعتداء على قوات الشرطة العسكرية بالحجارة والسيوف والأسلحة النارية، ما أدى إلى مقتل 3 من عناصر الشرطة العسكرية»، وقد واجهت وسائل الإعلام الحكومية اتهامات بالتحريض والتضليل بعد ترويج تلك الروايات، وصلت إلى اتهامها بإذكاء الفتنة الطائفية بين نسيج المجتمع.

منظمات حقوقية وقبطية رأت أن اعتزام المؤسسة العسكرية المصرية السيطرة على التحقيق في واقعة استخدام القوة ضد متظاهرين أقباط عُزل ليلة المصادمات في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2011 يثير المخاوف إزاء محاولة إخفاء حقيقة ما حدث. وأنه على المجلس الأعلى للقوات المسلحة – الحاكم العسكري لمصر – أن يحيل التحقيق في الواقعة من النيابة العسكرية إلى جهة تحقيق مستقلة ومحايدة تماماً، لتحقق في مقتل المتظاهرين العُزل على يد قوات من الجيش. بحسب قولهم.

اعتكاف.. احتجاج صامت

مجمع الكنيسة القبطية، برئاسة البابا الراحل «شنودة الثالث»، أصدر وقتها بيانا، اتهم خلاله من أسماهم بـ«غرباء اندسوا على المسيرة وارتكبوا هذه الجرائم»، لكنه في الوقت نفسه.. اعتكف «شنودة» ولم يعد يلقي العظات الكنسية، ما فسره مقربون من الكنيسة على أنه احتجاج صامت من البابا.

لكن موقع الأقباط اليوم وصف حينها ما حدث بأنه «مذبحة وجناية دولية وجريمة حرب كاملة مدبرة, وهو وصمة عار في جبين المصريين الشرفاء جلبه الأمن مع الجيش»، واتهم الجيش بأنه «نسي القادة أبطال العبور الأقباط أمثال عزيز غالي قائد الجيش الثالث, واللواء باقي ذكي يوسف صاحب فكرة خراطيم المياه التي طرحت خط بارليف أرضاً» في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.

في المقابل بدأت النيابة العسكرية تحقيقات موسعة مع 25 من المتهمين في الأحداث الدامية، بتهمة تنفيذ أعمال تخريب واعتداءات على أفراد من القوات المسلحة وإحراق ممتلكات تخص الجيش المصري، كما قدمت النيابة العسكرية، ثلاثة جنود للتحقيق في دهس أقباط، ووصفت الحادث بأنه «قتل عن طريق الخطأ»، حتى قضت المحكمة العسكرية بسجن أحدهم ثلاث سنوات، والآخرين سنتين حبسا لكل منهما، وتقدم الجنود الثلاثة، بطعن على الحكم، حتى قررت المحكمة لاحقا إيقاف تنفيذ الحكم.

عودة النشاط المكثف

احتجاجات الكنيسة الصامتة وقطيعتها مع السلطة لم تدم طويلا، ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، وبعد خمسة أشهر على انتخاب مرسي رئيساً لمصر، خلف البابا تواضروس الثاني البابا شنودة الثالث كزعيم للأقباط الأرثوذكس في مصر، ورغم تأكيدات تواضروس في خطابه انتهاجه مسلكا مختلفا عن خطاب سلفه، حيث أكّد على ضرورة ألا تتدخّل الكنيسة في السياسة، وأن تركّز بدل ذلك على الأنشطة الدينية والتنموية؛ فإنه مع ذلك، تبيّن البابا الجديد لن يقنع أساقفته، الذين كان بعضهم قد انخرطوا فعلا في مفاوضات سياسية، إلى أن وصلت الكنيسة إلى ما يشبه الحزب السياسي.

وكشف «تواضروس» بعد ذلك بنحو عامين، أن إستراتيجيته وقناعاته لم تكن على النحو الذي صرح به أوائل تنصيبه، إذ قال في حوار له مع صحيفة «ألموندو» الإسبانية أواخر عام 2014 إن «الشباب القبطي الذي يلومني على العمل السياسي لا يفهم ما يحدث»؛ كما أسهمت البيئة السياسية المستقطبة للغاية بين الإخوان المسلمين والمعارضة في عهد مرسي، الكنيسةَ إلى الاضطلاع بدور سياسي متزايد.

في الوقت نفسه، فشلت جماعة الإخوان المسلمين في التعاطي مع مخاوف الأقباط حول الحرية الدينية وتهميشهم في مؤسّسات الدولة. فصحيح أن «مرسي» عيّن «سمير مرقص»، وهو شخصية مسيحية بارزة، مساعداً له للانتقال الديمقراطي، إلا أن مرقص استقال بعد بضعة أشهر عندما اكتشف أنه لم يتم إشراكه في عملية اتخاذ القرارات.

بيد أن الأهم من ذلك هو أن بطريرك الكنيسة، البابا «تواضروس الثاني»، أيّد علنا تدخّل الجيش، في يوليو/تموز 2013، ضدّ مرسي ونظامه المدعوم من جماعة الإخوان المسلمين، ومع انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيساً للبلاد في حزيران/يونيو 2014، حاولت الكنيسة إعادة ترسيخ نفسها باعتبارها الصوت الموحّد للأقباط في مصر.

الواقع أن الكنيسة أدّت دوراً مهماً في إطاحة مرسي، البابا نفسه يفاخر بذلك، كما ألقى خطاباً عبّر فيه عن تأييده لتدخّل الجيش وللعملية السياسية الجديدة التي أعلن عنها السيسي، الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك.

لكن هذا الدور ينطوي على بعض المخاطر أيضاً، برأي «جورج فهمي» الباحث زائر بمركز كارنيجي للشرق الأوسط؛ فبدلاً من محاولة توحيد المسيحيين في مصر تحت قيادتها، ينبغي على الكنيسة الانسحاب من المجال السياسي، والسماح للأقباط بالدفاع عن مصالحهم بأنفسهم من خلال الانضمام إلى الأحزاب والحركات السياسية...

وينبغي على الكنيسة أن تركّز على كونها إحدى مؤسّسات المجتمع المدني التي تدافع عن المُثُل العالمية، مثل حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وعلى دعم المشاريع التنموية لكلٍّ من المسلمين والمسيحيين.

مخرج لمذبحة ماسبيرو

كما بدا أن مخرجا لاح في الأفق للحرج الذي تتسبب فيه ذكرى ماسبيرو كل عام، إذ جرت محاولات لإلصاق التهمة بجماعة الإخوان، والادعاء بتورط الجماعة في تنفيذ المذبحة، وعقب خلافته «شنودة»، قال البابا «تواضروس الثاني» بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، إنه «لا يوجد أي جدل حول هذه الأحداث، فهي خدعة كبيرة من قبل جماعة الإخوان؛ حيث قاموا باستدراج الشباب المسيحي لمواجهة الشرطة العسكرية وقتها»، على حد قوله.

وأضاف: «من الناحية القضائية لابد وأن تُستكمل التحقيقات، ويتم محاكمة المتسببين بها، لكن في نفس الوقت يجب أن نكون أكثر حكمة؛ من أجل مصلحة البلد».

لكن «عاطف نظمي»، عضو هيئة الدفاع في القضية، اتهم المجلس العسكري بتجاهل تقديم الفاعل الحقيقي للمحاكمة، قائلا: «بعد إغلاق ملف القضية قدمنا 22 بلاغًا للنائب العام، وقدمنا 45 مقطع فيديو شاهدا على الأحداث، التي تؤكد دهس المدرعات للمتظاهرين، وظلت البلاغات حبيسة الأدراج».

وأضاف في تصريحات نقلتها صحيفة «الوطن» اليومية الخاصة، في ذكرى سابقة للمذبحة، أن «الحديث عن تورط الإخوان في (مذبحة ماسبيرو) وسيلة لتبرئة القتلة من جريمة قتل 23 شخصًا من الأبرياء».

ووقتها، طالب «نظمي» الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي»، بالإسراع في اتخاذ قرار بإعادة فتح باب التحقيق في «مذبحة ماسبيرو» لمعرفة القاتل الحقيقي، والتحقيق مع قيادات المجلس العسكري الحاكم لمصر وقت وقوع المذبحة، وهو الأمر الذي لم يحدث إلى الآن.

المسار السياسي

يمكن القول إن العلاقة بين الكنيسة والسلطة لم تصل إلى مستوى أفضل مما هي عليه الآن، وذلك ما منحها مكانةً متميّزةً ودفعها الكنيسة إلى محاولة إحياء الاتفاق القديم الذي كانت عقدته مع نظام مبارك، وساعدت التغييرات التي قامت بها الدولة الكنيسةَ على استعادة مكانتها باعتبارها الممثّل الوحيد للطائفة القبطية، وجرت وعود بالسماح ببناء الكنائس وفقا لقانون لا تزال بعض بنوده غامضة، بينما اعتمد «السيسي» على دعم المتظاهرين الأقباط له في كل زيارة لأمريكا.

كما أنه الحركات الشبابية، بما فيها "اتحاد شباب ماسبيرو"، فقدت قدرتها على التعبئة، وفقَدَ كذلك الساسة الأقباط نفوذهم، إذ يبدو أن النظام الجديد لايرى دوراً يُذكَر للأحزاب، فلم يعقد الرئيس السيسي أي اجتماعات مع الأحزاب السياسية إلى الآن.

لكنه مع ذلك، جلبت استراتيجية الكنيسة السابقة معها العديد من المشاكل، وفي ظل البيئة الحالية من الاستقطاب السياسي والمجتمعي، قد تكون للعودة إلى هذا النهج عواقب ضارّة على الطائفة القبطية.