«إس 400» الروسية VS «ثاد» الأمريكية..  من الرابح في صفقتي الصواريخ السعودية؟ (تحليل)

«إس 400» الروسية VS «ثاد» الأمريكية.. من الرابح في صفقتي الصواريخ السعودية؟ (تحليل)

12:00 ص

11-أكتوبر-2017

كيف قررت السعودية دفع ما يقارب الـ 20 مليار دولار دفعة واحدة في صفقتي صواريخ تنتمي إلى ذات التصنيف (الدفاع الجوي) من روسيا وأمريكا في ذات الوقت؟ وما هي أبعاد الموافقة الأمريكية على تزويد الرياض بمظومة "ثاد" بعد طول تحفظ على هكذا قرار؟ هل ضغطت الرياض على واشنطن بتطوير العلاقة مع موسكو؟ أم أن ضغط كليهما على الرياض لتسدد فاتورة إخفاقات فريق ولي العهد الخارجية؟

هذه الأسئلة طرحها العديد من مراقبي الشأن السعودي، خلال الأيام القليلة الماضية، تزامنا مع زيارة فد المملكة إلى موسكو، برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وتوقيع اتفاقيات تعاون ثنائي ضخمة، شملت صفقات تسليح كبرى، تزود مسكو بموجبها الرياض بمنظومة صواريخ "إس 400" الدفاعية المتطورة.

ظل الأسئلة مطروحة في ظل قراءة تضارب المصالح بين أمريكا وروسيا بشأن صفقات التسليح من جانب، وإمكانية تأثير حصول الرياض على هكذا منظومات متطورة للدفاع الجوي على التفوق التكنولوجي الإسرائيلي إقليميا، إلى أن جاءت الإجابة عبر أبوظبي.

فالولايات المتحدة عمدت مؤخرا إلى نشر منظومة ثاد الدفاعية الصاروخية في كوريا الجنوبية، الأمر الذي أثار غضبا في كل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية، لما يمثله ذلك من تهديد استراتيجي لكل منهم، الأمر الذي يقدم مقاربة تفسير لإعلان واشنطن الموافقة على بيع منظومة صواريخ ثاد للسعودية رغم تحفظها على ذلك سابقا.

و"ثاد" هي منظومة دفاع جوي صاروخي طويلة المدى، من نوع أرض- جو، تُستخدم من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من حلفائها، وتُمثل مكوّنًا رئيسيًا في نظام الدفاع ضد الصواريخ البالستية تحديدا، ما يعني حصول الرياض على مزية هامة في صراع حربها الباردة مع إيران، التي تمتلك عددا وافرا من هذه الصواريخ.

كبح روسيا

العرض الأمريكي يمثل عامل إغراء للجانب السعودي إذن، لكنه يمثل، في ذات الوقت، كبحا لمحاولات المملكة، وبعض دول العالم، التوجه نحو تنويع نسبي لمصادر التسليح، أو محاولة الضغط على واشنطن للحصول على مستويات تكنولوجية أعلى من تلك التي تسمح بها في السلاح المصدر إلى بلدان الشرق الأوسط تحديدا.

 ويعزز من هذه القراءة الموقف الأمريكي من إبرام الوفد السعودي، الذي زار موسكو في الأيام القليلة الماضية، لصفقة حصلت بموجبها المملكة على منظومة صواريخ إس 400 للدفاع الجوي.

المتحدثة باسم الوزارة، ميشيل بالدانزا، عبرت عن قلق واشنطن من الاهتمام الذي يبديه "حلفاء الولايات المتحدة" بهذه المنظومة الروسية، وعزت ذلك إلى "أهمية الحفاظ على التطابق العملياتي لأنظمة الحلفاء مع أنظمة الأسلحة الأمريكية والدول الأخرى في المنطقة، خلال تنفيذ صفقات عسكرية كبيرة".

من هنا يمكن القول بأن السماح الأمريكي بتملك السعودية لمنظومة ثاد الدفاعية يستهدف إجهاض دمج منظومة إس 400 الروسية ضمن منظومة الدفاع الجوي للمملكة، بما يضمن استمرار ارتباط منظومة الأسلحة السعودية تكنولوجيا، وربما عملياتيا، بالبنتاغون، إذ طالما تحدث خبراء عسكريون عن تصميم الولايات المتحدة لأسلحتها بـ "software" يضمن وقف استخدامها في حال قرر البنتاغون ذلك.

هذا يعني أن تكون المنظومات العسكرية لـ "حلفاء الولايات المتحدة" في حالة تبعية كاملة لواشنطن، وهو ما يعتبره البنتاغون أحد أهم أهدافه الاستراتيجية، ولذا جاء إلغاء التحفظ الأمريكي على بيع منظومة "ثاد" للرياض.

احـتفاء إعلامي

 ورغم ذلك، اتسمت تغطية الصحف السعودية للإعلان الأمريكي بشأن "ثاد" بحالة احتفائية، إذ ربطت بينه وبين صفقة "إس 400"، واعتبرته نصرا للدبلوماسية الملكية.

لكن هل تثبت معطيات الواقع ذلك؟ تحقيق الهدف الأمريكي من تزويد السعوديين بمنظومة "ثاد" لا يشي بذلك، إذ من غير المتصور استمرار واشنطن في قرارها إذا ما اتجهت الرياض إلى تغيير تركيبة منظومة تسليحها إلى الطراز الروسي، ما يعني أن المكاسب التي ستجنيها أموال صفقة الـ "إس 400" ستكون سياسية أكثر منها عسكرية.

فحصول روسيا على 3 مليارات دولار، هي قيمة صفقات التسليح السعودية، ينعش اقتصادها دون شك، ويدفع صناعة القرار فيها إلى وضع المملكة في حساباتها المصلحية، بعدما انحازات بشكل مطلق إلى إيران، خلال السنوات الماضية، وهو ما واجهته الرياض بانحياز مقابل باتجاه الغرب.

لكن الجمع بين منظومتي التسليح الأمريكي والروسي جنبا إلى جنب في تشكيلات واحدة غير ممكن، بحسب تحليل العديد من الخبراء العسكريين، ما يعني استمرار اعتماد الرياض على  منظومة التسليح الأمريكي على الأرجح، وهو ما تكشفه قيمة صفقة "ثاد" التي تتجاوز الـ 15 مليار دولار.

جمعت الرياض إذن بين مطلبها العسكري من أمريكا، بالحصول على منظومة ثاد، والسياسي من روسيا، بتوطيد علاقة تعاون ثنائية معها وتوسيطها كمعبر لتسوية إقليمية مع إيران،سبق أن تناولتها القصة في تحليل سابق، خاصة بعد وصولها إلى قناعة بعدم إمكانية الحسم العسكري في اليمن، واستنزاف اقتصادها جراء مغامرات ولي العهد الحالي، الأمير محمد بن سلمان، منذ بداية صعوده الصاروخي على سلم السلطة بالمملكة.

الصفقة "ستعزز قدرة السعودية على الدفاع عن نفسها، ضد تهديدات الصواريخ الباليستية المتزايدة في المنطقة".. هكذا غازل بيان الخارجية الأمريكية الرياض بشأن صفقة "ثاد"، لكن ذات البيان أكد أنها "لن تؤثر على التوازن العسكري الأساسي في المنطقة"، بما يعني استمرار التفوق التكنولوجي الإسرائيلي عسكريا كأحد ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية تاريخيا.

ضمان إسرائيلي

وإزاء ذلك يمكن قراءة أحد احتمالين لتقديم مقاربة تفسيرية للجمع الأمريكي بين إلغاء التحفظ على إمداد السعودية بمنظومة "ثاد" وبين التأكيد على استمرار "التوازن العسكري الأساسي"، سالف الذكر.

- الاحتمال الأول: هو أن واشنطن ضمنت تصنيع منظومة صواريخ الجيل الأحدث من "ثاد" أو غيرها من منظومات الصواريخ الدفاعية الأكثر تطورا، وقررت إمداد إسرائيل بها، وهو السيناريو الذي يمكن توقعه بسهوله، لكن لا يوجد مصادر معلومات تؤكده حتى الآن.

- الاحتمال الثاني فهو أن إسرائيل نفسها ستكون هي "مزود" السلاح الأمريكي المعلن عنه إلى دول المنطقة، ومنها السعودية، وهو التفسير الذي يبدو أكثر ترجيحا من قراءة تزامن إعلان صفقة "ثاد" مع صفقة أخرى كشفتها الصحف الإسرائيلية.

 

معلّق الشؤون الاستخبارية بصحيفة معاريف، يوسي ميلمان، نشر تحقيقا كشف فيه عن "تاريخ ممتد" لصفقات التسليح بين تل أبيب وأبوظبي، ذاكرا رجل الأعمال الإسرائيلي، متاي كوخافي، بالاسم كوسيط معتمد من الطرفين في هذه الصفقات على مدى السنوات الماضية.

وبإضافة تطور علاقة "التحالف الاستراتيجي" بين ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، ونظيره السعودي، محمد بن سلمان، منذ صعود الأخير سريعا إلى ولاية العهد، وتداول تسريبات غربيبة بشأن إعلانه ملكا في حياة أبيه قريبا، يمكن القول بأن صفقات التسليح الإسرائيلية ليست قاصرة على أبوظبي بأي حال.

لا أحد خاسر إذن من صفقات التسلح الروسية أو الأمريكية، بما في ذلك إسرائيل، باستثناء الرياض، التي واصلت النزيف المالي بعشرات المليارات من الدولارات فقط في سبيل تقليل خسائرها الإقليمية عبر إعادة العلاقات مع روسيا وضمان الالتزام بخطوط أمريكا الحمراء في ذات الوقت.