ترامب لن ينقل السفارة من أجل السلام.. ملامح خطة «دُبرت بليل»

ترامب لن ينقل السفارة من أجل السلام.. ملامح خطة «دُبرت بليل»

06:04 ص

10-أكتوبر-2017

تراجع مثير للجدل، عن تعهد قطعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نفسه بنقل السفارة الأمريكية من "تل أبيب" عاصمة الاحتلال الإسرائيلي إلى مدينة القدس المحتلة.

ترامب، قال الأحد 8 أكتوبر الجاري إنه لن يمضي قدمًا في تعهده بنقل سفارة بلاده إلى القدس لأنه يريد أولًا إعطاء فرصة للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

فهل ساهم تدخل مصر لإنجاح المصالحة الفلسطينية في تعطيل مخططات ترامب، أم أن الأمر تم باتفاق بين الطرفين، وما هو شكل معادلة السلام المرتقبة التي تحدث عنها ترامب؟.

تراجع مؤقت ومشروط!

وفي مقابلة تليفزيونية قال الرئيس الأمريكي: "سنتخذ قرارًا في المستقبل غير البعيد"، لكنه شدد على أن الجهود المبذولة لإحلال السلام "تأتي أولًا".

التصريح يأتي بعد أقل من شهر على إعلان ترامب خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك سبتمبر الماضي، بأن "اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين هو أمر ممكن".

وعلى هامش الجمعية العامة السنوية للأمم المتحدة، قال عن السلام: "سنمنحه أولوية مطلقة. أعتقد أن هناك فرصة جيدة أن يحدث ذلك".

وفي يونيو الماضي وقّع ترامب، على أمر بإرجاء نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس مدة 6 أشهر، في خطوة قال الاحتلال أنها أصابته بخيبة أمل.

التصريح الأمريكي بغلق هذا الملف "مؤقتًا" سبقته تلميحات وتسريبات أخرى تفيد بأن ترامب قرر فعليًا التراعج عن أبرز وعوده الانتخابية.

ففي فبراير الماضي، كشفت صحيفة "معاريف" العبرية أن ترامب "ومن باب تحسين العلاقات مع العالم العربي، استجاب لطلب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والحكومة المصرية بضرورة عدم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس".

وفي يناير، أكدت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي، أن ترامب تراجع عن قرار نقل سفارة بلاده إلى القدس في الوقت الراهن، ووعد تنتياهو بإعادة بحث الأمر "في الوقت المناسب".

اللافت في إعلان ترامب أنه تحدث بقناعة كبيرة عن إمكانية إحلال السلام، على نحو يشي بأن شيئًا ما أُعد في الكواليس بين الأطراف المختلفة، ولعل هذا يعززه أيضًا الحديث عن تدخل سابق لكل من مصر والأردن لإقناع ترامب بالتراجع.

كما أن الحسم الذي أبداه الرئيس الأمريكي في إعلان قراره، رغم أن توقيعه الرسمي على قرار إرجاء نقل السفارة يمتد إلى ديسمبر المقبل، يصب في الاتجاه ذاته.

هل هناك اتفاق؟

المعطيات السابقة، تشير إلى أن ثمة اتفاق ضمني قد تم بين أطراف مختلفة (أمريكا، مصر، الأردن، السلطة الفلسطينية، والاحتلال الإسرائيلي) على المضي قدمًا في "عملية سلام" قد تفضي إلى اتفاق فلسطيني إسرائيلي شامل على غرار اتفاق أوسلو عام 1993.

ويبدو أن الانقسام الفلسطيني الفلسطيني كان عقبة كبيرة أمام الاتفاق، الذي يستلزم أن تمثل أطراف القضية من كافة الفصائل الموجودة على الأرض، وعلى الأخص حركة حماس التي كانت تدير القطاع قبل المصالحة التي تمت برعاية مصرية قبل أيام.

تسلسل الأحداث يقودنا إلى احتمالية ترجيح أن يكون التدخل المصري القوي في سبيل إنجاز المصالحة بين حركتي فتح وحماس، جزء من الخطة الأشمل تمهيدًا لتمرير اتفاق للسلام.

ولعل الحديث عن تلك الخطة، يستوجب الإشارة إلى تصريح أدلى به الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال زيارته إلى أمريكا ولقاءه ترامب في أبريل الماضي.

السيسي قال لترامب نصًا: "ستجدنى بكل قوة ووضوح داعمًا لأى مساعٍ لإيجاد حل للقضية الفلسطينية في صفقة القرن، ومتأكد أنك تستطيع أن تحلها".

فهل كان الحديث مجرد بداية خطة تتضح معالمها شيئًا فشيئًا، بحيث تنجز القاهرة ملف المصالحة وتوحد الجبهة الفلسطينية، ومن ثم تعلق واشنطن قرار نقل السفارة ويتم تمهيد الأرض لمحادثات سلام؟.

سلاح المقاومة.. هل يعرقل الخطة؟

هذه الصورة تعد وردية إلى حد كبير، وتتجاهل عقبات شديدة الوعورة في طريق إتمام الخطة، لعل أبرزها سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة، الكفيل بإفساد المصالحة من أساسها، خاصة أنه شهد شد وجذب بين الأطراف المختلفة.

البداية كانت مع حماس التي أكدت على لسان نائب رئيسها في غزة خليل الحية أن "سلاح المقاومة خارج كل المعادلات، ولم يُطرح يومًا للنقاش، ولن نقبل أن يطرح على طاولة المفاوضات"، مشددًا على أنه "لا مقايضة ولا مساس بسلاح المقاومة".

الخطوة التالية كانت من جانب الاحتلال، حيث قال نتنياهو بعد نجاح المصالحة موجهًا حديثه للفلسطينيين: "اعترفوا بدولة إسرائيل وقوموا بحل الجناح العسكري لحركة حماس، واقطعوا العلاقات مع إيران التي تدعو إلى إبادتنا وما إلى ذلك. هذه الخطوات واضحة جدًا ونقول هذا الكلام بشكل واضح للغاية".

في اليوم ذاته أدلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بدلوه أيضًا، لكن كلماته كانت تحذيرية وبلهجة حادة، حيث أكد في لقاء تليفزيوني أنه "لن يكون في غزة أي سلاح غير شرعي"، وتابع: ""لو أن شخصًا من فتح في الضفة حمل سلاحًا غير السلاح الشرعي فأنا سأعتقله وهذا ما سأعمل إليه في غزة.. يجب أن يكون هناك سلاح شرعي واحد".

التليمح لسلاح حركة حماس كا واضحًا عنددما قال عباس أنه "لن يقبل ولن ينسخ أو يستنسخ تجربة حزب الله في لبنان".

الموقف المصري من هذه الأزمة، عبرت عنه تقارير إعلامية، نقلت عن رئيس جهاز المخابرات العامة "خالد فوزي"، تأكيداته لعباس أنه "لن يتم أي نقاش بشأن نزع سلاح كتائب القسام -الجناح المسلح لحركة حماس- في قطاع غزة قبل إنهاء المناقشات بشأن جميع مواضيع المصالحة الفلسطينية وإجراء انتخابات والتوصل إلى حل سياسي مع إسرائيل".

التقارير أفات بأن فوزي شدد على أن التفاهمات الأولية التي وقع عليها موفد حركة فتح عزام الأحمد قبل 3 أسابيع ورقيًّا، تنص بوضوح على أن "سلاح كتائب القسام ملف لا يناقش بأي صيغة قبل الحل السياسي  مع إسرائيل".

وعلى الرغم من التعقيدات التي شكلتها تلك التصريحات فيما يخص سلاح المقاومة، إلا أن رئيس المكتب السياسي لحماس كان أكثر مرونة، حيث أكد استعداده "لوضع استراتيجية مع حركة فتح والفصائل الفلسطينية، لإدارة سلاح وقرار المقاومة".

الخلاصة في تلك المسألة أن قضية سلاح حماس سوف تبقى لغمًا يهدد بنسف المصالحة الفلسطينية من جانب، وخطة السلام التي سبق الإشارة إليها من جانب آخر، في ظل عدم التثبت من تصريحات رئيس المخابرات بشأن السلاح.

هل تخرج حماس من المعادلة بالقوة؟

هذه النتيجة تشير إلى عدة احتمالات يمكن أن تتحقق من أجل المضي قدمًا في ملفي المصالحة وخطة السلام، أولها أن تنجح مصر - بضمانات تأخذها على حماس – في إقناع كل من أمريكا وإسرائيل وعباس بضرورة عددم المساس بسلاح حماس، على أن تضمن القاهرة ألا يهدد السلاح كل من الاحتلال وحركة فتح.

تبدو موافقة إسرائيل على هذه الصيغة أمر مستبعد، إلا في حال تدخل ترامب لغقناعها، وهنا سيكون على حماس الخضوع لتسوية سياسية قد تكون مضطرة فيها إلى تقدديم تنازلات سياسية مثل الاعتراف بدولة الاحتلال والجلوس المباش على مائدة مفاوضات معها.

الوثيقة السياسية الجديدة التي أعلنتها حماس أول مايو الماضي، والتي تضمنت اعترافها لأول مرة بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، يجعل من المحتمل قبولها بتقديم تلك التنازلات، ربما مقابل الحصول على بعض المكاسب مثل صفقة أسرى أو ما شابه.

على الجانب الآخر فإن ثمة سيناريو أخر قد يدخل حيز التنفيذ، وهو إجبار حماس على التخلي عن سلاحها بالقوة، لكن هذا السيناريو يبدو غير منطقي في ظل تقارب غير مسبوق مع مصر، وأيضًا في ظل مجرد توقع أن تعم الفوضى في القطاع وتنشب نزاعات مسلحة قد تمتد إلى شبه جزيرة سيناء، وما يمكن أن تجره الأزمة من ويلات في المنطقة المشتعلة بالأساس والتي ترغب مصر في إطفءها وليس إشعالها أكثر.

التسوية الثالثة المتوقعة لتلافي أزمة سلاح المقاومة في غززة، تحيلنا إلى يناير الماضي عندما أصدر السيسي قرارًا ببدء برنامج الملك سلمان لتنمية سيناء، الذي يشمل مشروعات متعددة منها مشروع طريق "النفق– النقب"، الذي يربط أنفاق قناة السويس بصحراء النقب.

هذا المشروع، تعده تحليلات كثيرة، البداية العملية لتنفيذ خطة إسرائيلية يطلق عليها "جيورا أيلاند"، ظهرت إلى النور عام 2009، وتقضي باستقطاع أراض من سيناء وضمها لقطاع غزة لتصبح دولة فلسطينية، مقابل إخلاء الضفة الغربية والقدس للاحتلال، وتعويض مصر بمساحة مماثلة في صحراء النقب، التي تسيطر عليها إسرائيل.

الخطة التي اقترحها الجنرال "أيلاند" الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، جاءت كحل نهائي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بحيث تضم 600 كيلو متر من سيناء تضاعف مساحة قطاع غزة 3 مرات، ونقل الفلسطينيين إليها، مقابل منح مصر المساحة ذاتها من صحراء النقب فى جنوب الأراضي المحتلة. (تفاصيل أكثر عن الخطة وتداعياتها هـــــنـــــا)

وعل الرغم من الشكوك التي تحيط بمصداقية هذه الخطة، والنفي المصري المتكرر لها، إلا أن احتمالات عدة تصب في اتجاه أنها هي صفقة القرن التي أشار السيسي إليها سابقًا.