ما بعد داعش.. السباق من أجل السيطرة.. كيف تفهم المشهد العراقي؟

ما بعد داعش.. السباق من أجل السيطرة.. كيف تفهم المشهد العراقي؟

11:00 م

04-فبراير-2017

إن اختبار كيفية اتزان الأجندات التنافسية وكيفية إعادة اتحاد هذا المجتمع المتشرذم يكمن في أكثر المحافظات العراقية تنوعًا إثنيًا.. في نينوى.

بهذه الكلمات لخص مسؤول غربي المشهد العراقي الحالك الظلام مستشرفًا مخاوف المستقبل من انقسامات تتزايد احتمالاتها، وبعد معركة الموصل فقد طال الانقسام جميع الفرق.

وفي الجزء الثاني من تقرير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، تحليل لوضع الفرق المختلفة من سنة وشيعة وأكراد ورصد لمختلف انقساماتهم والتدخلات الخارجية.

رؤى مختلفة

رغم الإنجازات العسكرية ضد تنظيم الدولة "داعش"، يبقى أحد أكبر التهديدات لأمن العراق هو نشوب نزاع داخلي بين القوى العراقية وهو الأمر الذي سيظهر لحظة توقف تصويب الأسلحة اتجاه داعش، وهذه مخاوف يتشارك فيها العراقيين والمسؤولين الغربيين.

فلدى الجهات العسكرية المشاركة فى تحرير الموصل، رؤى سياسية مختلفة عن كيفية إدارة المحافظة بعد هزيمة التنظيم، وطبقًا لسياسي سني رفيع المستوى, فبالرغم من وجود خطة عسكرية متفق عليها, إلا إن كل مجموعة لديها خطة "ب" خاصة بها لما بعد داعش.

وفيما يتعلق بنينوى, أوضح كبار المسؤولين فى بغداد خلال مقابلة لهم أن الحكومة المركزية تسعى للحفاظ على حدودها كمحافظة ولكن بصلاحيات أقل، وهو على النقيض ما يريده محافظ نينوى السابق"أثيل النجيفى"_ أحد الرموز المؤثرة والذي يرأس ميلشيا تركية التدريب_ من تحويل نينوى إلى منطقة شبه مستقلة, ما يمنحها مزيدًا من النفوذ والقوة كالحكومة المركزية، بينما تفضل حكومة إقليم كردستان نينوى مجزئة إلى محافظات ثلاث أصغر ما يساعد على إدارتها.

ولم يفهم بعد دور السنة المحليين فى الموصل ومناطق أخرى من العراق بشكل كامل من قبل السياسين فى بغداد أو من الحكومات الغربية، وينظر إلى ثلة من قادة القبائل السنية المحلية_قبائل غير معروفة إلى حد ما خارج أحيائهم_ الآن بوصفهم الممثلين الشرعيين داخل هذه المجتمعات, كما أن هناك توافق غربى بخصوصهم حيث ظهروا أثناء حكم تنظيم الدولة "داعش" بجانب قادة عشائر آخرين، ومن المرجح أن يكون لهم دور فى جهود السلام والمصالحة على المستوى المحلي.

الحشد الشعبي والأجندة الطائفية

وبجانب وجود رؤى متنافسة سياسيًا, فهناك قلقًا متناميًا بين العراقيين والمسؤولين السياسيين حيال سعي العديد من المجموعات المسلحة - متنافسة ضد بعضها- لإنفاذ نظام محلي جديد بواسطة السلاح, ما يضاد مصالح السنة المحليين، وتمتد هذه المخاوف بشكل خاص لبعض القوات التى تقع تحت مظلة الحشد الشعبي الذي اتهم سابقًا باتباع أجندة طائفية في مدن أخرى.

فبعد سقوط الموصل فى 2014, رأت الحكومة المركزية في النجف أن الحشد الشعبي ضرورة لسد حاجة أمنية ولتكملة القوات النظامية، وبالرغم من سيطرة الشيعة على الحشد, إلا إنه يضم وحدات قتالية من الأقليات السنية والكردية، ويقدر العدد الكلي للحشد الشعبي بين 45 إلى 120 ألف مقاتل، وهناك عدد كبير منهم لا يشتركون فى مهام قتالية ضد تنظيم الدولة "داعش" رغم تلقيه أجرًا.

ودعا آية الله علي السيستاني، أكبر مرجعية شيعية فى العراق، العراقيين إلى حمل السلاح ومساعدة القوات الأمنية لهزيمة داعش، ويتوقع أن يتبع دعوته تلك بعد معركة الموصل بفتوة لتسريح قوات الحشد، كما يبذل مكتب رئيس الوزراء العراقى أيضًا جهودًا من أجل دمج قوات الحشد بشكل رسمي فى القوات الأمنية الرسمية، بالرغم من أن بعض المقاتلين قد يرفضون الدمج أو يقاومون أمر تسريحهم من القتال.

كما قد يقاوم بعض المنتمين إلى الحشد بالأخص هؤلاء الموالين إلى المالكي والحرس الثوري الإيراني, أي محاولة للتقليل من دورهم المدعوم من القوى الغربية، وقد مرر مجلس النواب العراقى تشريعًا فى نوفمبر يحول الحشد الشعبى إلى كيانًا شرعيًا، ما يعتبر خطوة إيجابية_ بضم الحشد الشعبى إلى هياكل الدولة_  ولكنها أيضًا خطوة تخاطر بتأسيس بنية أمنية دائمة تحت سيطرة كبيرة من العديد من القوى المتنافسة خارج الحكومة المركزية.

تدخل القوى الإقليمية

ومن المرجح أن يصطدموا ببعضهم البعض على المستوى المحلي وينازعوا الدولة فى احتكارها للقوة، ولعل ما يعقد مستقبل المشهد السياسي والأمني في العراق هو محاولة اللاعبين الإقليميين كإيران والسعودية وتركيا اغتنام الفرصة من أجل تأمين مصالحهم الإقليمية وذلك بضرب الفاعلين المحليين بعضهم ببعض، وعلى حد وصف سياسي عراقي بارز فإن العراق ليست لاعبًا ولكنها عصا بيد القوى الإقليمية.

هذا ويتقبل المسؤولون العراقيون بشكل عام احتفاظ إيران وأمريكا على درجة من التأثير على مستقبل العراق ولو على مضض, إلا إنهم منقسمين بشأن تركيا, حيث ترى السلطة المركزية فى بغداد تحركات تركيا إلى حد كبير كتدخل خارجي ذو طموح حول"الاستفادة من موارد العراق واحتياطه النفطي" في الموصل، ويقر مسؤولون آخرون بحاجة تركيا إلى تأمين حدودها نظرًا للوجود المتزايد لحزب العمال الكردستاني على حدودها، كما أن بعض المسؤولين العراقيين والغربيين يرون تركيا قوة موازنة لإيران في المنطقة.

وتعد مدينة "تلعفر" مثالًا لمدى تعدد الخصومات الإقليمية والداخلية واجتماعها مع بعض كي تنتج صراعًا محتملًا فى فترة ما بعد داعش، وتقع تلعفر في منطقة استراتيجية بين الموصل والحدود السورية_أى نقطة اتصال بين شطري دولة تنظيم الدولة_ يبحث سكانها الشيعة الذين هم إما مقتَّلين أو مهجَّرين من قبل التنظيم عن العودة تحت حماية الميلشيات الشيعية، في الوقت الذي أعلنت تركيا نفسها حاميًا خارجيَا للسكان التركمان بتلعفر ما أدى إلى تبادل الخطابات الحادة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادى.

وتتخوف المجتمعات السنية العراقية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي من وجود ميلشيات شيعية لها روابط مع الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يعني أن الحرس الثوري يريد بسط سيطرته على المدينة كوسيلة لتأمين ممر بري جديد إلى سوريا.

الانقسامات الداخلية العصبية

بالإضافة إلى السياسة على المستوى المحلي, هناك أيضًا توترات عميقة على المستوى القومي فيما يتعلق بالسيطرة على المؤسسات المركزية في الدولة، فبالرغم من تمكن الأحزاب العراقية من تخطي الحواجز الإثنية والمذهبية والعمل معًا من أجل هزيمة تنظيم الدولة "داعش", إلا أن الخلافات الداخلية المذهبية والإثنية أصبحت أكثر عمقًا أثناء الصراع ضد داعش.

ففي المعسكر الشيعي, احتدم التنافس بين التكتلات السياسية أكثر بين مؤيدي حزب الدعوة الذي كان يقوده نوري المالكي (والآن يقوده العبادي) والآخرين الذين يدعمون مقتدى الصدر, الذي عارض بشدة نفوذ المالكي في السياسة العراقية.

ولكن يكمن الخطر الأكبر الذي يواجه المعسكر الشيعي في الخصومة داخل حزب الدعوة نفسه بين المالكي والعبادي، ووضع رئيس الوزراء الحالي في بغداد ضعيف مقارنة بالمالكي, الذى يوصف في الدوائر السياسية الشيعية عادة بـ "صانع الملوك".

ويُنظر إلى أكراد العراق منذ فترة طويلة في الغرب ككتلة سياسية أكثر واقعية واستقرارًا، وهي أيضًا تواجه انقسامات داخلية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني المنافس.

ويريد الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني تشكيل حكومة ائتلافية في العاصمة الإقليمية أربيل، ولكنهم يختلفون بشكل متزايد حول مسألة الاستقلال الكردي، فالحزب الديمقراطي الكردستاني يؤيد عمومًا الانفصال عن العراق، في حين أن الاتحاد الوطني الكردستاني كان أكثر اتساقًا مع بغداد

ويتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بعلاقة إيجابية مع تركيا، ما جعله أيضًا أكثر حذرًا من وجود حزب العمال الكردستاني، في حين أن الاتحاد الوطني الكردستاني (البيشمركة) قاتل علنًا جنبًا إلى جنب مع حزب العمال الكردستاني، ونظرًا لهذه الديناميكية وتزايد وجود كل من تركيا وحزب العمال الكردستاني في كردستان العراق، فقد تعقدت الانقسامات الداخلية الكردية إلى حد كبير.

وهناك جمود سياسي في الوقت الراهن، حيث لم يعقد برلمان الإقليم في أربيل منذ أكثر من عام، ويشكك الاتحاد الوطني الكردستاني على نحو متزايد في شرعية مسعود بارزاني، الذي يرأس الإقليم منذ 1992، حيث انتهت ولايته في أغسطس 2015، وهناك انطباع متزايد بين أعضاء الاتحاد الوطني الكردستاني بأن بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني يتلقون الأسلحة والأموال من الغرب بينما يغضون الطرف عن تفاقم الوضع الاقتصادي والسياسي، ووصف مسؤول أوروبي رفيع المستوى يعمل مع حكومة إقليم كردستان الخلافات الداخلية الكردية بأنها "أسوأ مما شهدنا فى العقدين الماضيين".

السنة أكثر تشرذمًا

لكن، وبالرغم من الانقسامات الداخلية الشيعية والكردية، فإن الطائفة السنية في العراق هي التي تعاني من أسوأ كارثة قيادية، حيث تزايدت الانقسامات بين المجتمعات السنية العراقية خلال العقد الماضي، منذ انهيار النظام البعثي في 2003، وتفاقم هذا الانقسام بسبب عدم وجود شخصية سنية دينية قوية مثل السيستاني لدى الشيعة.

وأوضح ممثل العراقيين السنة أن بعد التعامل مع تنظيم الدولة بات النسيج المجتمعي السني أكثر انقسامًا, فليس هناك قيادة سياسية أو مرجعية دينية قوية للعمل بشكل متحد, ناهيك عن تمثيل المجتمع فى بغداد حيث لا يملك السنة نفس الخبرة التنظيمية السياسية كالأكراد والشيعة، كما لدى الأكراد و الشيعة وسطائهم من أمريكا وإيران بينما لا يجد السنة من يوفق بينهم.

هذا وتحدث مسؤولون سنة آخرون عن تزايد الفجوة بين النخب السنية السياسية خارج البلاد والمجتمعات المحلية الذين يدعون أنهم يمثلوها، حيث يملك السياسيين المنفيين درجة من التأثير عبر الشبكات المالية الواسعة والنفوذ الاقتصادي مع بعض الأحزاب السنية والحكومات الغربية, وتزداد الفجوة مع المخاطرة بحياة اللاعبين السنة في القتال ضد داعش.